الصفحة 18 من 72

موضع الفاعل من الجملة وموضع المفعول منها؛ كي نبرهن على أن الفاعل لا يعرف بضم آخره، ولا المفعول بنصب آخره، بل يعرف كل منهما في غالب الأحيان بمكانه من الجملة، الذي حددته أساليب اللغة، وما روي عنها من آثار أدبية قديمة، فإذا انحرف أحدهما عن موضعه تتبعناه في موضعه الجديد في سهولة ويُسر، ودون لَبْس أو إيهام؛ لأن الجملة حينئذ تشتمل على ما يرمز إليه ويدل عليه؛ وذلك لأن التركيب مع هذا الانحراف قد تتغير معالمه، أو لأن ظروف الكلام توحي به وترشدنا إليه" [1] ، ثم يمضي قائلًا: إن الفاعل في الكلام العربي يَلي الفعل ويسبق المفعول، ولا يتأخر الفاعل إلا في أسلوب القصر، مثل: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] ، أو حين يطول الكلام مع الفاعل وتوابعه، مثل: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} [الإسراء: 23] ، أو حين يشتمل الفاعلُ على ضمير يعود على المفعول، مثل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة: 124] ، أو حين تتطلب الفاصلة ذلك، مثل: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 67] ، أو حين يكون الفاعلُ كلمةً كريهة يحسُن تأخيرها، مثل:"الموت"أو"الضر"؛ كما في قوله تعالى: {جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [الأنعام: 61] ، {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} [الزمر: 49] [2] ."

وللدكتور أنيس شهرة واسعة، وعلى كلامه الذي اقتبسناه أو لخصناه - فيما مضى - مَسْحةٌ توهم بأنه يتبع المنهج العلمي؛ لذا فلا بد من وقفة هنا نناقش فيها ما جاء بذلك الكلام من أفكار: فأول كل شيء أنه يقول: إن الفاعل يأتي دائمًا قبل المفعول إلا في الحالات التي أوردها وما يشبهها، ولكنه لم يعتمد إلا على القرآن الكريم، ولم يقُلْ أحد: إن القرآن يستغرق كل إمكانات اللغة، وهذا إن صحت ملاحظة الأستاذ الدكتور، إن هناك الشِّعر، وهناك الأمثال، وهناك ما أُثِر عن العرب من خُطَب سياسية واجتماعية ودينية، فهل مسح سيادته هذا كله وتأكد لديه أن ما قاله صحيح؟ الحق أنه للأسف الشديد لم يفعل شيئًا من ذلك! ورغم هذا كله فسنتناول حججه لكي نرى مدى صلابتها: فبالنسبة للقصر نتساءل: ولماذا لم يجرِ العرب في هذا الأسلوب على طريقتهم التي مرَدوا عليها من تقديم الفاعل على المفعول، مع التصرف بطريقة أو بأخرى، على نحو يفيد ما يريدونه من قصر رغم ذلك؛ كأن يقولوا مثلًا في: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] :"والله وحده هو الذي يعلم تأويله"؟!

(1) المرجع السابق / 243.

(2) السابق / 243 - 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت