الصفحة 19 من 72

أما فيما يخص طول الفاعل، فأي ضَير في أن يقال:"إما يبلُغَن عندك أحدهما أو كلاهما الكِبَر"بدلًا من تقديم"الكبر" (المفعول) على {أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} ؟ الواقع أنه ما من ضَير، أي ضير في ذلك! وهذا هو القرآن قد تكرر إتيانه بالفاعل قبل المفعول رغم طول الأول بسبب توابعه أو متعلقاته وقِصر الثاني، بل لقد تأخر الفاعل فيه لغير سبب من الأسباب التي ذكرها الدكتور برغم طول المفعول، وهذه أمثلة على الذي نقول: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: 180] ، {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] [1] ، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] [2] ، {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] [3] ، {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [الأعراف: 19] ، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} [الأنفال: 50] ، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67] ، {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} [سبأ: 31] ، {وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ} [الجاثية: 10] [4] ، أما اشتمال الفاعل على ضميرٍ يعود على المفعول - كما في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة: 124] - فقد كان من الممكن أن يُحوَّر التركيبُ كيلا تنكسر القاعدة التي توهمها الأستاذ الدكتور، فيصبح الكلام على النحو التالي:"وإذ ابتلى ربُّ إبراهيم إياه"، وتلغى جميع الضمائر المتصلة التي يستلزمها تقدم المفعول على الفاعل.

وبالمناسبة، فإن الضمائر واختلافها ما بين ضمائر خاصة بالفاعل وأخرى خاصة بالمفعول لهي عقبة كَأْداءَ في طريق النظرية التي تخيلها د. أنيس تخيلًا، وحاول أن يفرضها على لسان الضاد بقوة الاعتساف، ومن خلال سلسلة من الأوهام العجيبة؛ إذ لو كانت الحركات التي في أواخر الأسماء لا تدل على أي معنى - كما يدعي - فلماذا اختلفَتْ ضمائر الفاعلين عن ضمائر المفعولين وهي مما لا يمكن القول معه بأن العرب إنما كانت تقف على كل كلمة بالسكون إلا أن يضطرها الحرص على سلاسة النطق لا غير إلى تحريك آخرها؛ تفاديًا لالتقاء الساكنين دون

(1) ولم يمنع طول الفاعل مع تابعه أن يسبق الفاعل وحده المفعول، ثم يأتي تابعه بعد ذلك.

(2) ولم يمنع طول الفاعل ومتعلقاته أن يسبق {أَنْ تَعْتَدُوا} ، وهو في مقام المفعول الثاني.

(3) أما مشكلة عود الضمير في الفاعل {شُرَكَاؤُهُمْ} على {الْمُشْرِكِينَ} ، التي تأتي في التركيب المعتاد بعده، فيمكن التغلب عليها بصياغة الكلام هكذا:"وكذلك زين شركاء المشركين لكثير منهم قتل أولادهم".

(4) والتركيب هنا كالتركيب في الآية 172 من"النساء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت