الصفحة 20 من 72

أن يكون في هذا التحريك ما يدل على معنى؛ كالفاعلية أو المفعولية أو ما إلى ذلك؟ ثم إن الأمر لا يقتصر على تقدم المفعول على الفاعل في هذه الحالات القليلة التي ذكرها سيادته؛ إذ كثيرًا ما يتقدم المفعول حتى على الفعل، وفي القرآن شواهدُ كثيرة على هذا، ودعنا من الشعر الآن والنصوص النثرية الأخرى، وكذلك عندنا المبتدأ والخبر اللذان قد يتبادلان موضعيهما، بل كثيرًا ما يأتي الخبر قبل"كان"وأخواتها، ولا تنسَ الحال والمفعول المطلق مثلًا وتقدُّمَها على الفاعل وحده، أو عليه والفعل معًا، ولا يضبط الأمرَ في هذا كله إلا القولُ بالإعراب؛ لأن هذه الحرية التي لا نجدها إلا في تركيب الجملة العربية تتطلب ذلك تطلُّبًا.

ونأتي إلى الآيات التي يقول الأستاذ الدكتور: إن المفعول فيها تقدم على الفاعل؛ لأن في الفاعل ما يكره المبادأة به، وجوابنا على ذلك هو الشواهد القرآنية التالية، التي أتى فيها ذكر"الموت"قبل"الحياة" (التي كان ينبغي، حسب نظرية الدكتور، أن تكون لها الأولوية عليه) : {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] ، {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [الجاثية: 24] ، {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 43، 44] ، {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] ، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ، ومثلها الآيات التي سبق فيها"الضر""النفع"رغم كراهية النفوس للمعنى الأول وحبها للثاني، وهي: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] ، {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [الفرقان: 3] ، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} [الفتح: 11] ، {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21] ، {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} [الأعراف: 95] .

هذا في وجه التشابه بين الكتابين، إلا أن د. أنيس يعلن أنه لا يبغي - من وراء قوله بأن الإعراب لم يكن موجودًا في العربية، ثم طرأ عليها بعد ذلك في أواخر القرن الأول للهجرة أو أوائل الثاني بفعل علماء النحو [1] - أن يلغيَ الإعراب، بخلاف السيد أوزون، الذي لم يشكك

(1) أي إنه أمر اصطناعي فُرِض فرضًا على العرب ولغتهم وآدابهم وتآليفهم؛ شعرًا ونثرًا، بل على القرآن ذاته، بما يفيد أن المسلمين قد أدخلوا على القرآن ما ليس فيه، وهو كلامٌ لا ينقضي منه العجب والدهش؛ إذ معناه أنهم لم يخرجوا عن أن يكونوا واحدًا من فريقين: فهم إما أناس أزالوا القرآن عن وجهه الأصلي، وإما أناس رأَوْا ذلك ووافقوا عليه أو (في أحسن تقدير) لم يرضَوْه، ولكنهم أطبقوا أفواههم فلم ينبِسُوا ببِنت شَفةٍ اعتراضًا على ذلك، وهذا كله هو المستحيل بعينه؛ فالمسلمون كانوا يقدِّسون القرآن - وما زالوا - تقديسًا عجيبًا لم تقدسه أمَّة من الأمم كتابها، وكثيرًا ما ثارت بينهم الخلافات إذا سمعوا مَن ينطق بهذه اللفظة منه أو غيرها على نحوٍ يخالف نُطقهم، وكتب الأحاديث والتفسير والتاريخ والفِرق شاهدةٌ على هذا، فكيف يمكن أن يُقدِمَ أي منهم، بالغًا ما بلغ تهوُّره أو علمه أو جاهه (سمِّه ما شئت) ، على إدخال الإعراب في القرآن بعد أن لم يكن فيه؟ إن هذا لهو التَّغشُمرُ بعينه من د. أنيس، وإن لم يقل ذلك صراحة، إلا أنه المؤدى المنطقي لنظريته العجيبة، ثم ما الدافع الذي حدَا بمخترعي الإعراب هؤلاء إلى الإقدام على ما أقدموا عليه؟ وهل يمكن أن تتطور اللغات هذا التطور الحاسم الذي لم يكن هناك (حسبما ورد في كتاب الأستاذ الدكتور) مثال سابق ينسج على منواله بتلك البساطة التي يريد ليقنعنا بها؟ وفوق ذلك فإن نظريته ليست أكثر من ضربٍ على غيرِ هدًى في صحراءَ مضلَّةٍ، مع الاستناد إلى افتراضات أكثر إضلالًا، والإصرار العنيد على تحميل أمشاج النصوص القليلة التي يعثر عليها هنا وها هنا ما لا تحتمل، ليخرج علينا في النهاية بنظريةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، متَّهمًا النَّحْويين العربَ القدماء أنهم لم يفهموا لغتهم التي كانوا يسبَحون فيها سبحًا، وفهِمها هو بعد أربعة عشر قرنًا وهو في موضعه من الشاطئ بعيدًا عن البحر والسَّبح فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت