الصفحة 21 من 72

في أن الإعراب كان موجودًا، لكنه يؤكد في ذات الوقت أنه اختفى بعد ذلك من لغتنا، مع استمرائه هذا الوضع (الموهوم بطبيعة الحال كما لا نحتاج أن نقول) ودعوته إلى الثبات عليه، بل إلى استبدال العامية بالفصحى، والعجيب أنه، في سبيل دفاعه عن فكرته هذه، يؤكد"أن اللهجات العامية العربية ليست وليدة اليوم، بل هي موجودة منذ العصر الجاهلي"، يريد أن يقول: إن وجودها الآن أمر طبيعي، ونحن معه في هذا لا نشاح فيه، إلا أنه لا يلزم عنه أن نترك الفصحى لأي من عامياتها، فهذا شيء، وذاك شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، وفي كل اللغات نجد المستوى الفصيح الذي يرتفع إليه الأدباء والكتَّاب حينما يؤلفون ويحاضرون، كما نجد مستويات أدنى من ذلك خاصة بالاستعمالات والأغراض اليومية العارضة، بل ثمة مستويات أخرى أدنى وأدنى في بعض البيئات والدوائر المغرقة في العامية ... وهكذا، وهذه المستويات يتعايش بعضها مع بعض في كل اللغات، فلماذا يتخذ البعض من هذا الوضع في لغتنا نحن بالذات ذريعةً للتفلُّت من الفصحى؟ إنهم يقولون: إن العرب عاجزون عن إتقان هذه الفصحى [1] ، حسن، فالعرب في هذه المرحلة من تاريخهم - كما قلنا ونقول - عاجزون في كل المجالات؛ من سياسة واقتصاد، وحروب وإدارة وتعليم، وعاجزون عن الوقوف في وجه أمريكا وإسرائيل، وعاجزون عن إنتاج ما نحتاجه من طعام، وعاجزون عن تنظيف شوارعنا وتجميلها (اللهم إلا في الدول البترولية القادرة بغيرها، لا بأيدي أبنائها) ، وعاجزون ... وعاجزون ... وعاجزون، فهل نستسلم لهذا العجز ونترامى على أقدام إسراميكا ونطلب منها أن تأتي لتحتل بلادنا وتتصرف فيها وفينا على النحو الذي يحلو لها؟ إذًا فأبشر يا سيد أوزون، فها هي ذي

(1) نفس الزعم الذي ردده المستشرقون، الذين جهَدوا كل الجهد في إغراء العرب برمي الفصحى وراءهم ظِهريًّا، والإقبال على العامية بدلًا منها؛ انظر مثلًا المقدمة التي كتبها سلدان ولمور الإنجليزي لكتابه:"The spojen Arabic of Egypt".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت