العراق قد دخلتها جيوش الاحتلال الأمريكي والبريطاني (والصِّهْيَوني أيضًا من وراء ستار على الأقل) ، وبمساعدة بعض العرب، ومباركة البعض الآخر! يا سيد أوزون، إن العجز يُداوَى ببذل المزيد من الجهد، وشحذ الإرادة، وإيقاظ رُوح المقاومة، واستنفار مشاعر العزة والكرامة، والخجل من أوضاع التخلُّف المزري لا بالاستنامة إليه، والاستزادة منه، والتسليم له، وإلا فعلينا العفاء! لقد استخرجت إسرائيل اللغة العبرية من قبِرها، وأحيَتْها بعد مواتها الطويل، وأنت تريد أن تدفن لغة الضاد حية، عجيب هذا وغريب! ولكن ما الغريب العجيب فيه؟ أخشى أن يكون الأمران هما الوجهينِ المختلفين لذات العملة!
وثمة ملاحظة أخرى على كتاب زكريا أوزون، هي كثرة أخطائه في حديثه عن النحو العربي، وهو برهان آخر على أنه ليس على مستوى الموضوع الذي انتدب نفسه للخوض فيه: فعلى سبيل المثال نراه يعرف الجملة الاسمية بأنها:"كلمات مؤلفة من أسماء تجتمع لتعطي معنًى صحيحًا مفيدًا" [1] ، وهذا التعريف - على صِغَره - يتضمن أكثر من خطأ شنيع: ترى هل لعبارة"كلمات مؤلفة من أسماء"من معنى محدد وواضح؟ إن الكلمات لا تؤلف من أسماء أو أفعال أو حروف، بل هي نفسها إما أسماء أو أفعال أو حروف، وشتان هذا وذاك، وثانيًا: هل الجملة الاسمية لا تؤلف إلا من أسماء فحسب؟ أليست جملة:"محمد يلعب في البيت"جملة اسمية مع أن بين مكوناتها فعلًا هو"يلعب"وحرفًا هو"في"؟ وثالثًا: هل يشترط في الجملة الاسمية (أو الفعلية) أن تعطي معنًى صحيحًا كما يقول زكريا أوزون؟ فما القول في عبارة مثل:"الشمس تشرق من الغرب"، أو"مصر أقوى قوة اقتصادية على وجه الأرض"؟ إنهما لا تعطياننا أي معنى صحيح، ومع ذلك فكلتاهما جملة اسمية، ثم إنه قد عاد بعد ذلك فقال: إن الشرط الأساسي للجملة الاسمية"أن تبدأ باسم، ويمكن أن يلحقها فعل" [2] ، فما رأيه في هذه الجمل مثلًا:"سعيدًا ضرب علي"، أو"غضبانَ دخل مصطفى الغرفة"، أو"الليلةَ سيتقابل الأهلي والزمالك"؟ إنها جميعًا تبدأ بأسماء، ورغم هذا ليست جملًا اسمية، بل فعلية، واضحٌ أن الرجل يتخبط! والسبب هو أنه قد أقحم نفسه فيما يخرج عن طوقه واستطاعته!
ومن تلك الأخطاء المضحكة أيضًا: اعتراضه على استعمال الجملة الاسمية في غير الحقائق العلمية؛ كـ"الأرض كروية"مثلًا؛ إذ لا يصح أبدًا في رأيه أن نقول:"الطفل سعيد"؛ لأن الجملة
(1) ص 26.
(2) ص 54 / هـ 3.