الاسمية عنده لا زمن لها، ومن ثم فهي تدل على الديمومة فتغطي الماضي والحاضر والمستقبل، وهو ما لا يصدُقُ إلا على حقائق العلم، بخلاف عبارة:"الطفل السعيد"، التي إن صدقت الآن فإنها لم تكن صادقة فيما مضى حينما لم يكن سعيدًا، ولن تكون صادقة في المقبل من الأيام حينما تفارقه السعادة [1] ، ولنا على ذلك بعض التعقيب؛ فأولًا: حتى لو كان أصل كلامه صحيحًا، لَمَا كان هذا سببًا في تجنب الجمل الاسمية في غير الحقائق العلمية؛ إذ يمكن أن نقول مثلًا:"الطفل الآن سعيد"مع أن هذا ليس بلازم؛ لأننا نفهم معنى الآنية من التركيب نفسه دون الحاجة إلى النص عليها، وثانيًا: فليخبرنا سيادته كيف نُعبر عن سعادة الطفل في الزمن الحاضر بجملة فعلية؟ وثالثًا: نحب أن نلفت نظره إلى أن الجملة الاسمية التي يعبَّر بها عن الحقائق العلمية في الإنجليزية والفرنسية والألمانية على الأقل تتضمن، كسائر الجمل الاسمية في هذه اللغات، فعلًا، وهو هنا فعل الكينونة المضارع؛ أي: الدال على الحاضر، فإذا أجاب سيادته، ولا أظنه يخطر له هذا الجواب، بأن الفعل المضارع، وإن دل على الحاضر، فإن السياق يعرفنا أن المقصود هو الديمومة لا الوقت الحاضر فحسب، قلنا له: والسياق أيضًا يفهمنا أن قولنا:"الطفل سعيد"، رغم عدم دلالته على زمن معين، إنما يعني الحاضر فقط [2] ، بل إني أزيده من الشعر بيتًا، كما يقول إخواننا في السعودية، وأسأله بمناسبة ما جاء في كلامه من أننا"عندما نقول:"الله عظيم"، فإن تلك العبارة تتسم بصفة الثبات والديمومة على مرور الزمن ... ، فالله كان عظيمًا، وهو عظيم، وسيبقى عظيمًا إلى الأبد" [3] : ما رأيك فيما تكرر في القرآن الكريم من استخدام الفعل"كان" (الماضي) في الدلالة على صفات الله، مثل: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 27] ، {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
(1) ص 26.
(2) ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله سبحانه لزكريا: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41] ، وهذه الآية المذكورة كان زمانها المستقبل دون الماضي والحاضر، وقوله عز وجل: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} [آل عمران: 44] ، وهذه الأنباء لم تكن من الغيب بالنسبة لمن شاهدوا وقائعها، فكلتاهما جملة اسمية، ولكنها رغم اسميتها لا تدل على ديمومة تشمل الماضي والحاضر والمستقبل جميعًا، ومنها أيضًا قوله عن المتقين: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} [الكهف: 31] ، فهذا الجزاء لا علاقة له هو أيضًا بالماضي أو الحاضر، بل العالم الآخر في مستقبل الأيام البعيد، ومنها قوله عز شأنه: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] ، والنبي عليه السلام لم يكن لنبوَّته وجود قبل بعثته، وكذلك لم تكن عائشة وحفصة وزينب ... إلخ زوجات له قبل أن يتزوجهن، والأمثلة كثيرة.
(3) ص 26 - 27.