رَحِيمًا [النساء: 96] ، {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40] ... إلخ؟ ألا تدل هذه الآيات، رغم استخدامها للفعل الماضي، على الديمومة والاستمرار؟ ورابعًا أو خامسًا (لا أدري) : وماذا نفعل بما يسميه كاتبنا"حقائق علمية"إذا ثبت لنا مع تقدم العلم أنها لم تكن حقائق علمية؟ هل يجب علينا عند ذاك فكُّ رقبةٍ، أو إطعام عشَرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام؛ لأننا دنَّسْنا قاعدته المقدسة، فاستخدمنا جملة اسمية لما تبين لنا بعد ذلك أنه ليس بحقيقة علمية؟ أم سيسارع من الآن فيقترح ألا نستخدم الجمل الاسمية، ولا حتى فيما يبدو لنا حاليًّا حقائق علمية؛ حذَرًا من أن يظهر لنا بعد ذلك أنها ليست كذلك؟ انظر كيف يضع السيد زكريا أوزون نفسه في مآزق ما كان أغناه عنها! ألا يرى القارئ معي إذًا أن المشكلة لا وجود لها إلا في ذهن زكريا أوزون، الذي لا يعاود النظر فيما يخطر على باله لأول وهلة، بل يقذف به كما هو بعُجَرِه وبُجَرِه دون تمحيص!
وهذا يقودنا إلى تصايح مؤلفنا النحرير في عدة أماكن من كتابه بأن قواعد اللغة العربية، بل اللغة العربية نفسها، لا تقيم لمفهوم الزمن حسابًا، وأن هذا هو السبب في تخلفنا [1] ، إي وربي هكذا قال دون أي افتئات من جانبي! وأسارع هنا فأقول - قبل أن أبين له أن لسان العرب يعمل للزمن ألف حساب وحساب: إن هذه هي ذات القواعد التي كانت تحكم لغة أسلافنا، فلماذا لم تُعِقْهم عن أن يرتقوا ويفتحوا العالم ويقيموا إمبراطورية عظمى تمثل قمة الحضارة أوانذاك؟ ثم إنه يعايرنا في شماتة بأن"أزمنة الأفعال في بقية اللغات العالمية (ولتكن الإنجليزية مثلًا) أوضح وأدق منها في اللغة العربية" [2] ؛ إذ"هناك اثنا عشر زمنًا في قواعد اللغة الإنجليزية، يضاف إليها أربعة أزمنة شرطية تستخدم كلها، ولها مدلول واضح عند كل مَن يتكلم الإنجليزية" [3] ، وهو يقصد بذلك تصريفات الماضي الثلاثة: الماضي البسيط، والماضي المستمر، والماضي البعيد، ومثيلاتها بالنسبة للمضارع: المضارع البسيط، والمضارع المستمر، والمضارع التام، وكذلك نظيراتها في زمن الاستقبال، عدا أساليب الشرط المختلفة: الشرط ذي الجواب المحتمل الوقوع، وذي الجواب المستبعد حدوثه، ثم ما لم يقع جوابه؛ لأنه هو نفسه لم يحدث، والسؤال الآن: هل حقًّا لا تعرف اللغة العربية هذه التصريفات الزمنية؟ مقطع الحق أنها تعرفها بكل يقين، وسوف أورد هنا مثالًا على كل تصريف من هذه التصاريف الزمنية على ذات
(1) ص 32، 33، 35 - 36، 113.
(2) ص 36.
(3) ص 55 / هـ 12.