المسألة إذًا لا تخرج عن أنهم، في اللغات الأجنبية التي نعرفها، يضعون لحالات الفعل الزمنية عنوانًا، أما نحن فلم نشعر بالحاجة إلى وضع مثل هذا العنوان، ولست بحاجة إلى أن أشير إلى فقر اللغة الإنجليزية (التي يُكثر السيد أوزون من التباهي بها بغير حق ولا علم) في بعض الجوانب من ميدان تصريف الأفعال؛ إذ هي مثلًا تستخدم صيغة واحدة لا غير للمصدر والفعل المضارع (لغير الغائب المفرد) والأمر جميعًا، بالإضافة إلى اسم الجنس في كثير من الأحيان، فـ:"Order"معناها"الأمر / آمر / تأمر (أنت) / يأمران / تأمران / نأمر / تأمرون / يأمرون / يأمرن / مر / مرا / مروا / مرن / طلب"... وهكذا، ولا أريد أن أمضي في هذا الباب من المقارنة بين لغة القرآن ولغة جون بول، وحسبنا هذه النقطة للدلالة على غيرها من النقاط.
وقد فصَّل العقاد القول في ذلك بعض التفصيل مبينًا أن"اللغة العربية تستوفي هذه الدلالة (يقصد الدلالة على الأزمان المختلفة) بأسلوبيها المعروفين في اللغات، ونعني بهذين الأسلوبين أسلوب الكلمات المستفادة من التصريف والاشتقاق، أو من الأدوات المصطلح على تخصيصها لمعانيها، وأسلوب التعبيرات التي تدخل في عداد الجمل والتراكيب، ومن الأسلوب الأول الصيغ التي تأتي من تصريف الفعل للدلالة على المستقبل الإنشائي كفعل الأمر ... أما الأسلوب الآخر، وهو أسلوب الدلالة على الزمن بالتعبيرات التي تدخل في عداد الجمل والتراكيب، فكل ما أمكن التعبير عنه بهذا الأسلوب في لغة من اللغات، فهو ممكن في اللغة العربية في سهولة كسهولتها أو أسهل منها، فقد ينسب القول مثلًا إلى أحد من الناس، كأنه عادة كان يأتي بها في غير زمن محدود، فيقول المتكلم بالإنجليزية:"He used to say"أو"He was always saying"، ويقول العربي:"إنه كان يقول"، أو"إنه تعوَّد أن يقول"، أو"إنه طالما قال"، ولا تختلف العبارتان في صحة الدلالة، ولا في التحديد الزمني، ولا في الإطلاق من هذا التحديد، ولا في الإطالة والإيجاز ... ومن المعلوم أن الغربيين في آجرومياتهم يلحقون باب الشرط والنفي بالكلام عن الزمن في الأفعال ... وقد استوفي الشرط والنفي في اللغة العربية أيما استيفاء: فكان من أدوات الشرط ما يفيد الاحتمال الضعيف، ومنها ما يفيد الاحتمال القوي، كما يقال:"إن حدث هذا ..."و"إذا حدث هذا ..."، ومنها ما يفيد الاحتمال مع الفرض والتقدير، وقد يفيد الامتناع حين تستخدم"لو"في مواضعها، ومنها ما يفيد الشرط المعلق على توقيت منتظر أو متفق عليه؛ كالشرط بـ"متى"، ومنها ما يربط السببية أو النتيجة العقلية على الإطلاق الذي لا يتقيد من الأزمان؛ كـ"مهما"و"أيان"و"أنى"وكـ"لو"في بعض الأحوال، أما النفي ففيه دقة وقصد يدل على جملة قواعد القصة في اللغة العربية؛ فالنفي بـ"لم"مقصور على"