نفي الحدوث، وهو بالبداهة لا يكون إلا لزمن ماض؛ لأننا لا نتكلم عن شيء حدث قطعًا، أو لم يحدث قطعًا، إلا إذا كان الكلام على ما مضى؛ ولهذا تقصد اللغة فلا تحول الفعل من صيغة المضارع إلى صيغة الماضي بعد"لم"، ويقول العربي:"ما حدث هذا"، ولا يقول:"لَمْ حدث هذا"؛ لأن"ما"تدخل على المضارع فتفيد نفي"الانبغاء"لا نفي الحدوث، ومن قال:"ما يحدث هذا"فإنه يعني أن هذا لا ينبغي أن يحدث، ولا يُعقَل أن يحدث، وقد يلاحظ هذا على الفعل الماضي الذي تسبقه"ما"؛ فإن نفي الوقوع لا يخلو من نفي الانبغاء، ومن قال مثلًا:"ما فاهَ فلان بهذا الكلام"فكأنه يقول:"حاشاه أن يفُوه"... أما إذا نفى الحدوث مع انتظاره في المستقبل، فصيغة المستقبل هنا لازمة؛ ولهذا يقول العربي:"لَمَّا يحدُثْ هذا"وهو يترقب أن يحدث بعد قليل أو كثير ... وإذا دخلت أداة نفي على الفعل المضارع فهي في حقيقتها مانعةٌ للحدوث، لا نافية للحدوث، ومن قال:"لن يؤوب القارظان"، و"لن تشرق الشمس من المغرب"فهو يقرر امتناع ذلك لسبب عنده قاطع يمنعه ... على أن اللغات التي يتكلم بها في أرقى الأمم لم تشتمل على تصريفات أو صِيَغ مصطَلَحٍ عليها للدلالة على الزمن خلت منها اللغة العربية أو من نظائرها، وإنما تَرِد الشبهة على بعض النقاد الغربيين من وجود عناوين للأزمنة المعلقة عندهم لا توجد لها نظائر في اللغة العربية، وهذه الأزمنة المعلقة هي التي يفرض حدوثها فيما مضى أو ما يلي في حالات مشروطة أو متخيلة، ولكنها ليست قاطعة ولا منتهية إلى نهاية حاسمة، وهذه الأزمنة المعلقة يعبرون عنها في بعض اللغات الأوربية بالأفعال المساعدة مع الفعل أو اسم الفاعل أو اسم المفعول، ويحكيها في اللغة العربية أن نقول مثلًا عن أحد معروف أو مفروض:"لعله يكون مصورًا كبيرًا لو نشأ بعد حين"، أو"في مثل هذه الساعة من الغد يكون قد حضر أو يكون حاضرًا"... إلى أشباه هذه التعبيرات التي يسهل استخدامها في اللغة العربية كما رأيناها، وليست هي في اللغات الأخرى مخصصة بوضع أصيل من أوضاع التصريف والاشتقاق" [1] ، ترى هل بقيت بعد هذا الإيضاح أية قيمة لِما هرَف به السيد أوزون عن الزمن في لغتنا واللغة الإنجليزية، أو لِما قذف به صدره من الكراهية للغة القرآن الكريم والشماتة الرخيصة بها وبقواعدها؟!"
ومن أخطائه أيضًا في حديثه عن النحو العربي استنتاجه، من إعراب النحاة لـ"كان"في عبارة"ما كان أجمل الربيع!"وأشباهها على أنها"زائدة"، أن مفهوم الزمن في قواعد نَحْونا غائبة [2] ،
(1) عباس محمود العقاد / اللغة الشاعرة / مكتبة غريب / 78 - 86.
(2) ص 32.