الصفحة 28 من 72

والواقع أن النحاة حين يقولون هنا: إنها زائدة إنما يقصدون أن الإعراب لا يتغير بعد دخولها على الكلام عما كان عليه قبلًا، لا أنها لا تضيف إلى الجملة معنًى لم يكن فيها، ومن المعروف لكل أحد أن"ما أجمل الربيع!"إنما هي للتعبير عن جمال الربيع بشكل مطلق أو جمال الربيع الآن، أما إذا كان المقصود هو إبداءَ الإعجاب بالربيع الفائت، أو أي ربيع مضى وانقضى، فالذي يقال عندئذ هو:"ما كان أجمل الربيع!"، وهناك سبب آخر لتسميتهم"كان"هنا زائدة، وهو أنها فصلت بين لفظينِ متلازمين عادة بحيث لا يمكن دخول أية لفظة أخرى غير"كان"بينهما، وعلى ندرة، وهناك كاتب معاصِر أَلْفيته يكثر من استعمال"كان"زائدة، هو الأستاذ محمود شاكر في كتابه:"أباطيل وأسمار"، وذلك حين يأتي بها معترضة بين لفظين متلازمين لتنبيه القارئ بغتةً أن الأمر الذي يتكلم عنه إنما كان موجودًا أو متحقِّقًا في الماضي، ولم يعد كذلك الآن، ولاستعماله"كان"بهذه الطريقة نكهةٌ مميزة لا يخطئها الذِّهن، ولا يغيب عنه إيحاؤها التهكمي في كثير من الأحيان.

إن قول الشاعر القديم:

فكيف إذا مرَرتَ بدارِ قومٍ = وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ؟

يختلف قطعًا عما لو قال:"وجيران لنا كرام"؛ إذ يكون المعنى أنهم لا يزالون جيرانًا له ولقومه، كما يختلف بكل يقين عما لو قال:"وجيران لنا كانوا كرامًا"، التي تعني أنهم كانوا كرماءَ ولكنهم لم يعودوا كذلك، أما تركيب العبارة - كما أوردها في بيته - فمعناه أنهم جيران كرام، لكنهم للأسف قد ارتحلوا عن المكان ولم يعودوا لهم بجيران، أيصح أن نتهم قواعد النحو عندنا إذًا بأن مفهوم الزمن غائب فيها؟ ألا يفرِّق نُحاتُنا بين الماضي والحاضر والمستقبل فيقولون: فعل ماضٍ، وفعل مضارع (للحاضر، وكذلك للمستقبل: بنفسه أو بدخول"السين"أو"سوف"عليه، مع دلالة"السين"عادة على المستقبل القريب، و"سوف"على البعيد) ؟ ألا يفرقون، في نفي الماضي، بين قولنا:"لم يلعب"و"لَمَّا يلعب"بحيث تدل الأولى على عدم اللعب مطلقًا، والثانية على أنه، وإن لم يقع اللعب في الماضي، يتوقع أن يحدث في المستقبل؟ ألم ينصوا على أن لكل من"كان"وأخواتها دلالة زمنية خاصة بها؟ ألم يجعلوا من"شرع"وأمثالها من أخوات"كاد"قسمًا مستقلًّا لدلالتها على الشروع في الفعل؟ ... إلخ ... إلخ.

كذلك يعيب زكريا أوزون الأساس الذي قُسِّمت بِناءً عليه الأفعال إلى متعدية ولازمة، قائلًا: إن جملة مثل"جلس أحمد على السرير"، تحتوي على مفعول به رغم أنه ليس منصوبًا، ألا وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت