الصفحة 29 من 72

"السرير"، قائلًا: إن"فعل الجلوس قد ... وقع على السرير، وعليه فالسرير هو ما تم وقوع الفعل عليه، فهو مفعول به، وإن كان مجرورًا" [1] ، وواضح أن السيد أوزون لا يحسن التفكير والتصور، وليس بمُكنته التفطن إلى النكات الدقيقة، ومن ثم فقد خلط بين وقوع الفعل على الشيء (أي فوقه) وبين إيقاعه به، صحيح أن"الجلوس"في هذا المثال قد وقع على السرير (أي فوقه) ، لكن لا يمكن أن يوقع به الجلوس؛ أي: لا يمكن أن يصيبه الجلوس؛ إذ الجلوس لا يحتاج إلا إلى طرَف واحد، هو الذي يحدث من خلاله الجلوس، أو كما يقول النَّحْويون القدماء: يقوم به الجلوس، بخلاف ما لو قلنا:"أجلس محمد سعيدًا على السرير"، فها هنا طرَفان: الأول الذي أحدَث الإجلاس، وهو محمد، والثاني الذي أصابه الإجلاس، وهو سعيد، أما السرير فهو الذي وقع عليه (أي فوقه) الإجلاس، بمعنى"حدث فوقه الإجلاس"؛ أي: إنه ظرف، ويسميه بعض النحاة:"مفعولًا فيه"، فهو مفعول، لكنه ليس مفعولًا به، بل مفعولًا فيه، وهذا مصطلح يطلق على كل مكان وقع عند الحدث، سواءٌ وقع"فيه"فعلًا، أو وقع"عليه"أو"إليه"، فحرف الجر"في"هنا لا يدل على أن الحدث قد وقع داخل السرير، إنما يقصد النحاة من السرير والبيت والقبلة وغيرها من الظروف فكرة المكان المجرد، ونحن نعرف أن المكان، مثله مثل الزمان، يحتوي الحدَث داخله، ومن هنا قالوا:"المفعول فيه"، وإن لم يحتوِ بالضرورة كل ظرف فرد"على"الحدَث، أما إذا أردنا تبسيط الأمر وتخفيفه فإننا نقول: إن"المفعول فيه"هو مجرد اصطلاح، وفي الاصطلاحات يراعى دائمًا الإيجاز لا الدقة المحكَمة، وعلى هذا لا يمكن أن نقول:"المفعول فيه أو منه أو عليه أو إليه ..."، بل يقال - على سبيل الاختصار:"المفعول فيه"، وهذه التسمية تغطي سائر هذه المعاني، كما نقول:"الألفباء"، ونقصد الحروف التسعة والعشرين لا"الألف"و"الباء"وحدهما، وكما نقول:"أراق فلان حبرًا كثيرًا"؛ أي: كتب كلامًا كثيرًا، وهو لم يُرِقْ حبرًا فقط، بل أنفق وقتًا، واستهلك ورقًا، وأعمل عقلًا، وأحرق أعصابًا، وأشبع رغبة، وأذاع عِلمًا، وأدى رسالة ... إلخ.

ومن أعجب العجب أن المؤلف، في الوقت الذي يصر على تسمية"الظرف":"مفعولا به"مُدخِلًا بهذه الطريقة في"المفعول به"ما ليس منه - هو نفسه الذي يريد أن يخرج من فئة"المفعول به"المفاعيل الثانية في نحو:"أعطى أحمدُ الفقيرَ رغيفَ خبز"، مدعيًا أن"رغيف الخبز"ليس مفعولًا ثانيًا، بل مجرد مبين لنوع العطاء، ولا علاقة له بوقوعه؛ إذ العطاء لم يقع إلا على

(1) ص 36 - 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت