الصفحة 30 من 72

"الفقير" [1] ، وإني لأسأل: أليس"الرغيف"في قولنا:"قدم أحمدُ للفقير رغيفًا"مفعولًا به؟ بلى هو كذلك بكل تأكيد، ولا يمكن لأوزون ولا لألف واحد مثل أوزون أن يزعم غير ذلك، فما الفرق إذًا بين"الرغيف"في هذا المثال، و"الرغيف"في المثال السابق، والمعنيان إجمالًا واحد؟ أم هو العناد لمجرد العناد والسلام؟ إن الأمر بحاجة إلى دراسة نفسية، ما في ذلك مِن ريب!

أمر آخر أحاجُّه به، وهو المغرم بالإنجليزية، وإن كان واضحًا أن معرفته بها لا تتعدى الفتات، ألا وهو أن الإنجليز يعبرون عن قولنا:"أعطى أحمد الفقير رغيفًا"، بطريقتين، الأولى:"Ahmad has given the poor man a loaf of bread"

وهي تشبه في تركيبها الجملة العربية التي نحن بإزائها، ولا تعليق لي عليها، وإنما كلامي على الطريقة الثانية:"Ahmad has given a loaf of bread to the poor man"، وفيها يظهر بكل وضوح أن"الرغيف"هو المفعول به المباشر الذي لا يمكن المماحكة فيه من جانب مؤلفنا، أما"الفقير"فسبقه حرف جر، وهو ما يمكن أن يكون محلاًّ لعناده وسفسطته، ويبدو أن الأسلوب العربي قد تأثر، فيما يبدو، بهذا التركيب؛ إذ نسمع كثيرًا من يقول:"أعطى أحمد للفقير رغيفًا" (على غرار قولنا:"قدم أحمد للفقير رغيفًا") ، مما يؤكد أن"الرغيف"هو مفعول به بلا جدال، أما التعبير عن نوع العطاء فهو من عمل المفعول المطلق، كما في قولنا مثلًا:"أعطى أحمد الفقير رغيفًا عطاء الشفقة، أو عطاء المراءاة، أو عطاء الكرم، أو عطاء الشماتة ... إلخ"، ثم سؤال أخير: ما الفائدة من اعتراضه على استعمال مصطلح"المفعول الثاني"بالنسبة لـ"الرغيف"ما دام يدعو إلى إلغاء الإعراب من أساسه؟ ألم أقل: إن الأمر يحتاج إلى دراسة نفسية، وبخاصة إذا رأيناه، بعد كل هذا الصخب والضجيج الذي أزعج به آذاننا وأرهق أعصابنا، يعود فيقول عن كلمة"شواء"في قولنا:"أعطيت أوقية شواء":"لماذا لا تكون""شواء"بدلًا من أوقية، أو صفة، أو مفعولًا به ثانيًا حيث وقع عليها فعل العطاء؟ " [2] ، الله أكبر! أبعد رفضِك الحَرُونِ أن يكون"الرغيف"مفعولًا ثانيًا لـ "أعطى"في المثال الآنف الذكر؛ لأنه حسب وهمك لم يقع عليه العطاء، ترجع فتقول: إن"العطاء"قد وقع على الشواء، ويصح من ثم إعرابه مفعولًا ثانيًا؟ أما قوله بعد هذا: إن تلك"الافتراضات من مدرسة أهل اللغة ولا تمثل رأينا"، فلا معنى له؛ لأن النحاة أعقل وأحجى من أن يقولوا: إن"الشواء"في الجملة التي معنا الآن يمكن أن تعرب صفة أو مفعولًا ثانيًا، بل هو كلامه، ودافعه إليه هو أيضًا العناد الحَرُون،"

(1) ص 38.

(2) ص 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت