الصفحة 31 من 72

والرغبة الطفولية في المخالفة لمجرد المخالفة؛ إذ من الجليِّ أنه قد أقبل على الموضوع وفي نيته (أو نية مَن شجعوه على هذا السخف) هدم النحو، وإحلال عامية"يا لطيف! شو حلو ها البيت!"محل لغة"أهل قريش ومضر"كما يقول [1] ، يقصد الفصحى، وهي، كما لا أظنني بحاجة إلى أن أؤكد، نيَّةٌ فاسدة وطائشة، ولن تصل إلى شيء، والطريق إليها"مسدود مسدود مسدود يا ولدي!"، كما يقول نزار قباني، الذي أراد أن يتخذ من قوله:"سأهرب من لعنة المبتدأ والخبر"مِعولًا لهدم المبتدأ والخبر، والنحو والصرف، ولغة القرآن الكريم جملة وتفصيلًا [2] !

أما حكاية"يا لطيف! شو حلو ها البيت!" (وهي دليل آخر على أنه يتصدى لما يجهل، وكل عدته هي العناد الحَرُون) ، فتتلخص في أنه كالعادة يهاجم النَّحْويين متهمًا إياهم بممارسة"الدكتاتورية اللغوية"؛ إذ يدعي أنهم يفرضون علينا، متى أردنا التعجب من شيء، أن نقول:"ما أجمله! وأجمل به!"، ثم يتساءل في سذاجة (ولكن غير محببة) :"ألا يحق لي أن أقول":"يا لجمال البيت!"مثلًا، أو"يا لطيف! شو حلو ها البيت!"أم أنه يتوجب علَيَّ أن أتعجب كما يتعجب أهل قريش ومضر؟ ألا يحق لي أن أعبر عن مشاعري بالأسلوب الذي يعجبني ويعجب أفراد أمتي المعاصرين، وهو ما يحدث وما سيحدث؛ لأن نُحاتنا، والنحو معهم، يسيرون في طريق مسدود؟" [3] . وجوابنا هو أن السيد أوزون يستطيع أن يقول:"ما أجمل البيت!"و"أجمِلْ بالبيت! " على طريقة أهل قريش ومضر، ويستطيع كذلك أن يقول:"يا لجمال البيت!"، أو "يا عجبًا لهذا البيت!"أو"وا عجبًا له!" [4] ، وهي طريقة أهل قريش ومُضرَ أيضًا والله العظيم، كما يستطيع أن يقول:"وكم يعجبني هذا البيت!"على طريقتهم للمرة الثالثة [5] ، وبالمثل يستطيع أن يقول:"إنني معجب بهذا البيت!"، أو"إنني معجب به أشد الإعجاب!" [6] ، أو"أكاد أجن من فرط الإعجاب به!"، أو"سأموت من شدة الإعجاب به!"، أو"لقد رُدَّت لي الرُّوح من فَرْط جماله العجيب!"، أو"إنه لشيء عجيب (أو عجاب) !"، أو"إن إعجابي بهذا البيت لا حد له!"، أو"إن جماله لا ينقضي منه العجب!"، أو"إنه لبيت عجيب!"، أو"سأظل معجبًا به ما بقي

(1) انظر ص 40 - 41.

(2) انظر ص 27 وما بعدها.

(3) ص 41 - 42.

(4) وهذا التركيب موجود في باب"الاستغاثة".

(5) و"كم"هنا هي"كم"الخبرية، التي يضعها النحاة في باب"كنايات العدد".

(6) وهذا التركيب يقوم على استخدام المفعول المطلق، أو بالأحرى:"نائب المفعول المطلق"، وإن اغتاظ السيد أوزون من هذه النيابة (انظر ص 76) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت