الليل والنهار، أو حتى يؤوب القارظان، أو ما قام رَضْوى في مكانه!"، أو"بارك الله فيمن بنى هذا البيت العجيب!"، وكل هذا وغيره هو على طريقة أهل قريش ومُضرَ؛ ذلك أنهم قد أعطَوْه ألفاظ اللغة وقوالبها التركيبية، ويستطيع أن يولِّد من هذه وتلك ما يشاء، وهو في كل ذلك يجري على سُنَّتهم، ولو كره الأوزونون!"
وما دام زكريا أوزون يموت غرامًا وولَهًا بالإنجليزية، التي من الجلي أنه لا يفقه منها شيئًا ذا بال، فإني أعلِّمه (ولكن يا ليته يتعلم!) أن في الإنجليزية أيضًا صيغتي تعجب قياسيتين، بالضبط مثلما عندنا"ما أفعله، وأفعل به"؛ إذ عندما يريد الإنجليزي التعجب من شجاعة إنسان مثلًا فإنه يقول:"How brave this man is!"، وفي الفرنسية يقولون"Comme cet homme est brave!"، أو"Que cet homme ca""est brave!"، وكما أننا نستطيع أن نترك صيغتي التعجب الجاهزتين في لغتنا إلى صِيغ أخرى، فإن بمُكْنةِ الإنجليزيِّ والفرنسيِّ أن يعبر عن عجبه من شجاعة شخص ما بأساليب أخرى إذا أراد.
ومن عناده وخَطَله كذلك: اعتراضه على القول بوجود فاعل لأي فعل أمر، مثل:"ارجع"و"اسكن"، وحجته (أو بالأحرى: شبهته) : أن هناك احتمالًا كبيرًا بعدم تحقق الفعل أصلًا، ومن ثم بعدم وجود فاعل له [1] ، وهذه طريقة في التفكير عجيبة، لا أظنها خطرت لأحد من قبل، والحل سهل جدًّا؛ إذ ما المانع أن نقول: إن الفاعل في"قل"هو"أنت إن شاء الله"بإضافة عبارة"إن شاء الله"احترازًا، وكذلك طمأنة لضمير السيد أوزون الحساس؛ كي يهدأ ويغفوَ قليلًا بدلًا من هذه الوسوسة المؤلمة!
ما رأيك أيها القارئ العزيز في هذا الحل؟ ولكنني مع هذا لا أدري لماذا تحرَّج ضمير السيد أوزون أمام الفاعل فقط، ولم يتحرج هذا التحرج مع المفعول به في حالة مجيء فعل الأمر متعديًا، بل لا أدري لماذا لم يُجرِ هذه القاعدة العجيبة على الفعل أيضًا؛ إذ إنني عندما آمُر إنسانًا بقولي:"ادخل البيت بقدمك اليمنى"لا يكون الدخول قد حدث بعد، بل يمكن ألا يحدث، فلا يدخل الرجل بقدمه اليمنى، ولكن باليسرى، أو ربما لا يدخل أصلًا، لا بيمناه ولا بيسراه، ليس هذا فقط؛ إذ لن ينتهي الأمر عند ذلك الحد، فنفس الكلام يصدق على قولنا: "سنسافر (أو سوف نسافر) بعد شهرين"، أو"إن سافرنا بعد شهرين فسوف نصل في الميعاد"؛ إذ من المحتمل ألا نسافر في هذا الميعاد أو ألا نسافر أبدًا.
(1) ص 52.