الصفحة 33 من 72

وغنيٌّ عن البيان أن قولنا:"لن نشتري هذا البيت"لا يمكن أن يكون له فاعل ولا مفعول ولا فيه فِعلٌ قولًا واحدًا؛ لأنه نفي، والنفي معناه عدم حدوث الفعل من أساسه، ما رأي القارئ في هذا اللون العبقري من التفكير؟ بل علينا في حالة الإخبار عن الماضي أو الحاضر ألا نتعجل فنقول بالفعل والفاعل والمفعول قبل أن نتأكد أولًا أن الخبر صحيح، وإلا فلا فعل ولا فاعل ولا مفعول، وعلى هذا فإذا طلب أستاذ إلى تلميذ أن يعرب جملة:"باع زيد بيته أمس"مثلًا، كانت الإجابة الصحيحة:"أمهلني يا أستاذ إلى أن أتحقق من أن البيع قد وقع فعلًا، ثم أمهلني ثانية حتى يتم توثيق البيع في المحكمة ويصدر الحكم ويتسلم المشتري العقد القضائي"، ومُتْ يا حمارُ حتى يأتيك العليق! وأسلم من هذا كله أن نلغي أبواب الفعل والفاعل والمفعول به، وما يتعلق بذلك من أشباه الجُمَل والظروف والأحوال والتمييزات والاستثناءات ... إلى آخر أبواب النحو، بل أن نلغي اللغة كلها، بل أن نقطع ألسنتنا ونغلق أفواهنا ونوقف عن التفكير عقولنا ... ثم ننتحر حتى يرضى عنا السيد أوزون، وله العتبى حتى يرضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

وعلى هذا النحو أيضًا نراه يتخبط عند حديثه عن الضمائر؛ فهو يقول مثلًا: إن ما يسميه النحاة بـ"الضمائر المتصلة" (وهي"النون"و"التاء"و"الواو"و"الألف"و"الياء"في الجمل التالية على الترتيب:"النسوة قمن، أكلت كثيرًا، أرسلوا إليَّ خطابًا طويلًا، الطالبان نجحَا بامتياز، دائمًا ما تأتين متأخرة عن الميعاد") لا يمكن أن تكون معارف؛ لأنها أحرف؛ أي: إنها ليست أسماء أصلًا، لكننا ننظر فنجده عقيب هذا يأخذ في إعراب جملة:"سأعطيك أنت ومن معك"قائلًا: إن"أنت"في محل نصب مفعول به، أو بدل من الكاف، أو توكيد له ... إلى آخر ما قال [1] ، والذي يهمنا هو قوله: إن"أنت"بدل من"الكاف"، أو توكيد لها، والحروف لا تكون مبدلًا منها، كما لا يمكن توكيدها، ما عدا"نعم"و"لا"، وبداية كلامه تدل بكل جلاء على أن الكلام هنا عن المفعول به؛ أي: إن عندنا مفعولًا به، و"أنت"بدل من هذا المفعول أو توكيد له، كما يقول السيد أوزون، وكل ذلك يدل على أنه قد لحس اعتراضه الذي مر قبل أقل من ثلاثة أسطر، ومعنى هذا أنه يتخبَّط ولا يدري ماذا يقول.

وأشنع من ذلك وأدلُّ على الجهل ضربُه المثال التالي:"أإياي يعاقب؟"، وهو مثال لا يتمالك الإنسان نفسه إزاءه من أن يقول بملء فمه على طريقة أهل قريش ومُضَر رغم أنف المؤلف

(1) انظر ص 58 - 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت