الصفحة 35 من 72

كله سخف من السخف؛ لأن كلمة"نية"تعني مقصدك الذي تطويه في نفسك، لا الذي تتلفَّظ به، وتتخذ للفظه مثل هذه الاحتياطات والإجراءات نزولًا على حكم الوساوس القهرية التي تصيب بعض المرضى والعياذ بالله، فأصبحنا نكتفي بقولنا:"الله أكبر"، لا نزيد عليها حرفًا، وهل الله سبحانه بحاجة إلى هذه التحديدات المضحكة لاسم الصلاة ووقتها وعدد ركعاتها وجِهة القِبلة وشخص الإمام؟ والحمد لله أن الشيخ لم يطلب منا أيضًا تحديد اسم المسجد، وموقعه، ومساحته، وارتفاعه، وعدد نوافذه، ونوع سجاجيده أو حُصُره، والصف الذي نقف فيه، وموقفنا منه، وعدد المصلين معنا وراء الإمام، وأسماءهم وتراجمهم ... إلخ، إن كان لذلك من آخر على رأي المازني رحمه الله! صدق مَن قال:"شرُّ البلية ما يضحك!".

وعجيب مِن مؤلفنا أن يأنَس في نفسه القدرة على التهكم، فيقول عن أسماء الإشارة:"تي وذان وتان"، إنها تذكرة بشخصية فرنسية فكاهية لشاب اسمه:"تان تان"، ربما أخذ اسمه من تلك الأسماء، ثم يمضي فيقول: إنه"لا عجب في ذلك، فلا يوجد أحد من ناطقي لغة الضاد المحكية (العامية) يقول:"ذان"أو"تان"أو"تي"..." [1] ، ترى ما الذي يضحك في أسماء الإشارة هذه إلا جهله الذي يسول له الجرأة على محاكمة المستوى الأدبي الفصيح في اللغة إلى مستوى الدَّهْماء، وما دام الدَّهْماء لا يقولون:"ذان"و"تان"و"تي"فلا داعي لها؟ وقياسًا على هذا ينبغي أن نحذف روائع الآداب والفنون، وفروع العلوم المختلفة، وغير ذلك مما لا يهتم به العوام! أرأيتم مثل هذا المنطق؟ إن علينا، بِناءً على الرغبة السامية لزكريا أوزون، أن نترك أسماء الإشارة في الفصحى، ونستعمل عوضًا عنها:"دَهْ"و"دَهُه"و"دُكْهَه"و"دُول"و"دَلَهُمَّه"و"دُكْهَمَّه"... إلخ! وهذا في مصر فقط! إن مَن عرف حجَّةٌ على من لم يعرف يا أستاذ، لكنك تقلب الآية؛ فتجعل للجهل اليد العليا، وللعلم اليد السفلى، وتطالب بحذف"ذان"و"تان" (اسمي الإشارة للمثنى) مع أنك في موضع آخر من كتابك تشيد (في غفلة من غفلات وعيك) باللغة العربية؛ لاحتوائها على المثنى، وتدعو إلى إحياء صِيَغه بعد أن أخذت في الانحسار من اللغة العادية المحكية كما تقول، وإن كان قد غلبك طبعك فأضفتَ إلى هذا الثناء الحق كلامًا يكشف عن جهلك بالموضوع [2] ، كما سنبين لاحقًا، ترى كيف نشير إلى المثنى إذا حذفنا"ذان"و"تان"؟ إننا بالنسبة للقريب نقول:"هذان"و"هاتان" (ويمكن أن نحذف الهاء من أول الكلمتين) ، ونقول للبعيد:"ذانك"و"تانك"، وإذا وجدنا من يخطئ في شيء من هذا صححناه له، كما هو الحال

(1) ص 59 - 60.

(2) انظر ص 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت