الصفحة 38 من 72

الفعل من قبل الإنسان والشارع معًا؟ سؤال لا أعرف كيف أطرحه، فهل يجد لي النحاة صيغة لسؤالي، ومن ثم يجيبون عليه أنفسهم؟" [1] ، وعجيب أن يجرؤ السيد أوزون على التهكم بعلماء النحو بهذه الثقة، وهو من الجهل بالموضوع الذي يخوض فيه بتلك الدرجة الشنيعة! إنها ثقة الحمقى والجهلاء، وكم للحمقى والجهلاء من ثقة مُرْدية! أليسوا جهلاءَ وحمقى ليس عندهم من الحكمة ولا أنعم الله من نعمة التروِّي ما يأخذ بحُجَزهم عن التقحُّم في المهالك؟ إن عقولهم في خفة عقل الفراش الذي يلقي بنفسه في النار وهو لا يعرف أن فيها هلاكه المحتوم! إن أوزون يظن، لقصور عقله، أن المفعول معه يشارك الفاعل في الفعل، ومن هنا نراه يخلط بينه وبين المعطوف، وهذا معنى سؤاله:"كيف يتم إنجاز الفعل من قِبل الإنسان والشارع معًا؟"، إنه لا يستطيع التمييز بين"واو المفعول معه"و"واو العطف"، فأي بلوى هذه يا إلهي! وإذا كان هذا هو مستواه في الفهم وفي النحو والإعراب، فلماذا لم يلزَم عُقرَ داره، ويغلق على نفسه بابه بالضبة والمفتاح، فيغنمَ السلامة على الأقل ما دام لا أمل في غُنمِه شيئًا من العلم يصلح به عقله وتستقيم معه حياته؟ إن هذه"الواو"تدل على الملازمة، لا على الاشتراك في الحكم، فحين أقول:"سِرْتُ والشارعَ"فلا يعني هذا أن الشارع قد سار معي، ولكن معناه أنني طوال سيري لم أفارقه، فإذا استقام استقمتُ مثله، وإذا انعطف يمينًا انعطفت معه، وإذا ذهب شمالًا اتبعته أيضًا ناحية الشمال ... وهكذا [2] ، ولو كنت أريد أن الشارع قد سار معي لقلت:"سرت (أنا) والشارع"برفع"الشارع"لا بفتحه، وحتى لو قلت ذلك ما كان عليَّ مِن بأس، فإن هذا من باب المجاز الذي يخلق اللغة خَلقًا جديدًا، ويُفيض عليها من بهائِه ما يرفعها عن الأرض إلى السماء."

وعلى نفس الشاكلة من التخبُّط واضطراب الفهم أمام ما هو واضح لا يحتاج إلى شرح يقف مؤلِّفنا العبقري متبلِّدًا حائرًا بائرًا أمام مرجع الضمير في مصطلح"المفعول لأجله"(في قولنا على

(1) ص 77.

(2) ولذلك نترجم هذه الجملة إلى الإنجليزية والفرنسية مثلًا دون حرف عطف على النحو التالي:"I went along the street""Je marchai avec""la rue"؛ ولذلك أيضًا سميت"الواو"هنا"واو المعية"، ولم تسمَّ"واو العطف"، ومثل ذلك قولنا:"وُلد نبيل وأذانَ العشاء"، والمعنى أنه ولد عند أذان العشاء، لا أن أذان العشاء قد وُلد أيضًا مثله، وذلك من الجلاء بحيث لم أكن لأظن أن مِن البشر مَن يخطئ فهمه، ولكن ها هو ذا السيد أوزون يخيب ظننا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت