دفاع عن النحو والفصحى
صدر في العام الماضي عن دار رياض الريس كتاب من 176 صفحة يهاجم العربية الفصحى ونحوَها، بعنوان:"جناية سيبويه - الرفض التام لما في النحو من أوهام"، لشخص يدعى: زكريا أوزون، جاء في مقدمته: أن اللغة العربية أصبحت لغة جامدة، بل تراجعت عالميًّا، حتى إن أهلها أنفسهم لم يعودوا يهتمون بها، وأرجع ذلك إلى سببين: علم النحو العربي، والاشتقاق اللغوي لاستيعاب المفردات والمصطلحات الجديدة، أما الكتاب نفسه فينصبُّ كله تقريبًا على نقد النحو العربي، ومحاولة البرهنة على أن قواعده مجافية للمنطق والعقلانية، أما مسألة الاشتقاق فقد لمسها الكاتب لمسًا عجلًا في صفحات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، مضيفًا إليها دعوته إلى اطِّراح الأرقام التي نستخدمها اليوم، والأخذ بما يسمى بـ:"الأرقام العربية"، التي يكتب بها الأوربيون الآن، وهي:"1، 2، 3، 4 ...".
وبالنسبة لنقد النحو العربي نجد أن المؤلف لا ينهج سبيلًا يعرف القارئ منها بسهولة ووضوح ما يريده بالضبط: هل يريد تخفيف القواعد بحذف بعض أبوابها، أو اختصار شيء من تفصيلاتها، أو الاعتراض على فلسفة هذا الاستعمال أو ذاك منها؟ أم هل يريد إلغاء النحو والإعراب جملة واحدة، والركون إلى تسكين أواخر الكلمات؟
أم هل تراه يريد بالأحرى ترك الفصحى تمامًا، والانكفاء إلى العامية، ثم إن كان المراد هو الهدف الأخير، فأية عامية يا ترى نتخذ، والعاميات (كما هو معروف) كِثارٌ بكثرة عدد الأقطار العربية، لا بل بكثرة عدد المناطق داخل كل قُطر من تلك الأقطار؟ فهذا أول ما يمكن أن يؤخذ على الكتاب ومؤلِّفه.
ولنبسط القول في ذلك بعض البسط:
إنه يأخذ على النحاة مثلًا أن الإعراب لا يجري على أساس المنطق [1] ، أتراه إذا ما تبين له أنه يجري على أساس منطقي يرجع عن موقفه؟ فماذا هو قائل إذًا إذا عرفناه أنه يجري على منطق القياس: فكل من نفَّذ الفعلَ أو تحقَّق الفعلُ من خلاله يضم آخره إن كان اسمًا مفردًا أو مجموعًا بغير الواو/ الياء والنون، أو ينتهي بالواو إذا كان من هذا الباب الجمعي، أو كان مما يسمى بالأسماء الستة في حالة إفرادها وإضافتها لغير ياء المتكلم، أو ينتهي بالألف إذا كان يدل على اثنين ... وقِسْ على ذلك سائر الحالات في الأسماء والأفعال، فإن شذ شاهد عن ذلك كانت له قاعدته التي تبين سر شذوذه: إما لتخلُّف شرط من الشروط، وإما لأنه يتبع لهجةَ قبيلة بعينها
(1) انظر"جناية سيبويه"/ رياض الريس للكتاب والنشر/ بيروت /2002 م/ 15 - 16.