الصفحة 5 من 72

تخالف سائر العرب، وإما لأنه شاهد شعري يخضع لضرورات الوزن والقافية، وإن كان هذا الوضع الأخير مِن الندرة بحيث لا يعوَّل عليه.

صحيح أنه يمكن المجادلة بأنه لا منطق في جعل الفاعل مضمومًا، أو منتهيًا بالواو أو بالألف، أو في جعل المفعولات مفتوحة، أو مكسورة (في جمع الألف والتاء) ، أو منتهية بالياء (في حالة جمع المذكر السالم والمثنى) ، أو بالألف (في حالة الأسماء الستة) ، وهذه حجة يميل كاتب هذه السطور إلى تقديرها والأخذ بها، بل لقد سبق أن رددتُ بها على ابن جني، ذلك اللغوي العظيم، في معرض تحليلي لكتابه القيم:"الخصائص" [1] ، ومن ثم فإني لا أجد أية غضاضة في سؤال المؤلف وجوابه التاليين:"ما هي العلاقة التي تربط الرفع (فيما يسمى"الأفعال الحمسة") بثبوت النون، والنصب أو الجزم بحذفها؟ والجواب: لا علاقة البتة بينهما" [2] .

لكني مع ذلك أسارع إلى الرد بأنه لا بد، في كل مجال من مجالات الحياة، من نقطة بَدءٍ يتم الاتفاق عليها والتسليم بها، ثم الانطلاق منها وجعلُها قاعدة يقاس عليها ما يجدُّ بعد ذلك من حالات تشبهها، مثلًا: لماذا كان ملعب كرة القدم مستطيلًا بأطواله التي نعرفها؟ ولماذا كانت كرة القد مستديرة، بينما كانت كرة الرجبي بيضية؟ ولماذا هذه الاختلافات بين الملعبين في هاتين اللعبتين وفي عدد أفراد كل فريق وفي الشروط التي تحكم اللعبة؟ ولماذا كان عدد الصلوات خمسًا، وكانت الصبح ركعتين، والمغرب ثلاثًا، وسائر الصلوات أربعًا؟ ولماذا يجوز قصر الصلوات الرباعية ولا يجوز ذلك في الثنائية والثلاثية؟ ولماذا كانت سنوات التعليم الابتدائية ستًّا، وكل من المرحلتين الإعدادية والثانوية ثلاثًا، والجامعية أربعًا؟ إن هذه كلها نُقَط انطلاق فقط، ثم يبدأ المنطق في القياس عليها.

ثم هل تنفرد لغتنا بأنه من الصعب أو ربما من المستحيل معرفة المنطق الذي وراء هذا الإعراب أو ذاك التصريف أو ذلك الاشتقاق مثلًا؟ فما هو إذًا، يا ترى، المنطق الذي يجعل الجملة في اللغات الأوربية - التي درسناها، والتي من الجلي الواضح أن صاحب"جناية سيبويه"يعجب بها أشد الإعجاب - هي جملة اسمية دائمًا؟ ولماذا كان تصريف الأفعال في هذه اللغة أو تلك منها على النحو الذي نعلمه؟ ولماذا يختلف تصريف فعل الكينونة في الإنجليزية عن سائر الأفعال؟ ولماذا يشذ تصريف بعض الأفعال عن نظيراتها؟ ولماذا كان توليد الكلمات في هذه اللغات يقوم بوجه عام على إلحاق المقاطع بأوائلها أو نهاياتها لا بالطريقة الاشتقاقية المتبعة عندنا في معظم الحالات؟

(1) يرجع إلى كتابي"من ذخائر المكتبة العربية"/ دار الفكر العربي / 1421 هـ - 2000 م/ 118 وما بعدها.

(2) ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت