إن مثل هذه الأسئلة لا تنتهي، ولو أن أصحاب كل لغة، حينما فكروا في وضع نحوٍ للغتهم، عملوا على أن يمنطقوا هذه المسلمات التي تنطلق منها، وإلا نبذوها وبحثوا عن لغة جديدة يتحقق فيها هذا الشرط، لَمَا صمدت لغة واحدة لهذا العبث، ولكانت البشرية كلها لا تزال حتى الآن في طور الإشارة باليد والتهتهة باللسان، فعل البكم! فإن كان المؤلف يقصد بغياب المنطق هذا الذي أقوله هنا فهو متعنت، يهرِفُ بما لا يعرف، ويُدخِل نفسه في مآزق لا يستطيع أن يسد فيها مسدًّا، وليس هذا مِن شيمة العلماء الذين يقدرون لأرجُلهم قبل الخَطْو موضعها، بل هو إلى النزق الطفولي أقرب رُحمًا، والآن، وقد عرفنا أن اللغة العربية تجري على منطق القياس في إعراباتها واشتقاقاتها، وإن لم يتبين لنا أنها تجري عليه في أساس هذه الإعرابات والاشتقاقات، هل نطمع في أن يرجع السيد أوزون عن موقفه منها؟
كذلك يدعي الكاتب أن القرآن الكريم لا يخضع لقواعد اللغة، قائلًا: إن هذه القواعد هي من نتاج المخلوق، على حين أن القرآن هو من كلام الخالق [1] ، ثم يورد قرب نهاية الكتاب في الفصل المسمى:"شواهد وتخريجات نحوية"أمثلة من الكتاب العزيز يرى أن ضبطَ بعض كلماتها لا يجري حسب قواعد سيبويه [2] ، وهو في هذه الدعوى مخطئ خطًا أبلق لا يمكن الاعتذار عنه بحال؛ فالقرآن الكريم يتبع في كل كلمة منه القواعد التي تحكم اشتقاق الألفاظ وتركيب الجمل في لسان العرب، وإن اكتفاء المؤلف بما أورد من أمثلة قليلة لأعظمُ دليل على أنه لم يجد في سائر الكتاب المَجيد ما يمكن القول بأنه يخالف تلك القواعد، ترى هل رفع القرآن مفعولًا به، أو نصب فاعلًا أو مبتدأ في أي موضع منه، أو أبقى نون فعل من الأفعال الخمسة رغم مجيئه بعد أداة نصب أو جزم مثلًا؟ أما الأمثلة التي زعم مؤلفنا المتمرد الهجَّام أنها تخالف قواعد اللغة، فلا مخالفة فيها على الإطلاق؛ إذ يورد النحاة والمفسرون شواهد من شعر العرب وكلامهم تجري على ذات الوتيرة، بما يدل على أن القرآن الكريم، في هذه الشواهد أيضًا، لا يخرج على أسلوب العرب في اشتقاقاتهم وتراكيبهم، إن لكل حالة إعرابية في لغة الضاد دلالتها، فإذا ما وجدنا مثلًا أن ضبط إحدى الكلمات في جملة من الجمل قد أتى على غير ما هو شائع، كان علينا التنبه إلى أن هناك نكتة بلاغية وراء هذا العدول عن الوضع العام إلى وضع خاص؛ بُغْيةَ الإشارة إلى معنى ما، أو الإيحاء بمغزًى من المغازي لا يتحقق في الأسلوب المعتاد.
(1) ص 22.
(2) ص 119 وما بعدها.