الصفحة 7 من 72

ولا ينفرد القرآن في شيء من هذا؛ لأنه ما من شاهد من الشواهد التي ساقها زكريا أوزون للتدليل بها على أن القرآن لا يتبع قواعد لغة العرب إلا وقد أورد له علماؤنا القدامى أمثلة مشابهة من الكلام العربي في الجاهلية وصدر الإسلام، وحتى لو افترضنا أنهم لم يوردوا مثل هذه الأمثلة من كلام العرب، فإن هذا لا ينبغي أن يُتخذ برهانًا على شذوذ الأسلوب القرآني عن القواعد التي تحكم كلام العرب، بل على أن الاستقصاء الذي قام به أولئك العلماء لكلام العرب في هذه النقطة لم يكن استقصاءً كافيًا، وهذا أمر متوقَّع؛ فهم بشر، وكل جهد بشري معرض للخطأ والسهو والنسيان والتقصير، ولا يمكن في تقدير عاقل أن نجعل مِن مثل هذه الأخطاء والتقصيرات تُكَأَةً لرفض تلك الجهود، وإلا وجَب إدارة ظهورنا للحضارة البشرية جملة؛ لأنها لم ولن ولا يمكن أن تخلوَ من الأخطاء!

أليس من العجيب أن يقول السيد أوزون: إن القرآن لا يجري على قواعد النحو والاشتقاق؟ فعلى أية قواعد إذًا يجري؟ إن ذلك لهو الخطَل بعينه، سواءٌ في حُكم المنطق الإنساني، أو في حكم القرآن نفسه، ألم يمرَّ الكاتب، وهو يقلب أوراق المصحف الشريف، بقوله عز شأنه مثلًا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] ، أو بقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28] ، أو بقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] ؟ وهل القواعد التي استخلصها النُّحاة هي للسان قوم آخرين غير العرب الذين أُرسِل إليهم محمدٌ عليه الصلاة والسلام بذلك القرآن؟ إذا كان فليدُلَّنا المؤلف، ونحن له منصتون، ولعقولنا وقلوبنا فاتحون، ولتغيير رأينا - إن استبان لنا خطؤنا - مستعدون، بالله هل يمكن قيام تفاهم بين طرفين إذا كانت قواعد اللغة التي يستخدمها كل منهما مخالفةً لقواعد تلك التي يستعملها الآخر؟ إنه لهو المستحيل بشحمه ولحمه، إن كان للمستحيل لحم وشحم! وهذا هو حكم المنطق الإنساني بعد أن بيَّنا حكم القرآن الكريم.

ولنأخذ مثلًا أو اثنين من الأمثلة التي يدَّعي المؤلف أن القرآن قد خالف فيها قواعد العربية: فهو يقول: إن"أمسى"و"أصبح"و"ما دام"و"كان"لا تكون عند النحاة إلا ناقصة؛ أي: تحتاج إلى مبتدأ وخبر، ولا تكتفي بفاعل فحسب، رغم ورودها في القرآن تامة؛ أي: مكتفية بفاعل فقط، مثل: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] ، و {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 107] ، و {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] [1] .

(1) ص 30 - 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت