وهذا الكلام منه لا يخرج عن أحد أمرين: إما الكذب وسوء الطَّوية للإساءة إلى النحو وعلمائه، وإما الجهل الذي لا يليق بمن يتصدى لمثل هذه القضايا، وسوف أتركه يختار ما يحب منهما بنفسه لنفسه؛ ذلك أن النحاة قد ذكروا - بكل وضوح - أن"كان وأخواتها" (كلها تقريبًا بما فيها"أمسى وأصبح وما دام"التي وقف عندها المؤلف) تأتي ناقصة، وتأتي تامة، وضربوا (من بين ما ضربوه على إتيانها تامة) هذه الآيات الكريمات ذاتها، ولأنقل أولًا ما جاء في"ألفية ابن مالك"في هذا الموضوع، ثم أُقفِّي على أثَره بما قاله ابن عقيل وابن هشام في شرح كلام ابن مالك، ونص الألفية هو:
ومنعُ سَبْقِ خبرٍ"ليس"اصطُفِي = وذو تمامٍ ما برفع يَكتفي
وما سواه ناقصٌ، والنقص في ="فتئ، ليس، زال"دائمًا قُفِي
وقد علَّق عليه ابن عقيل بهذه الكلمات:"وقوله:"ذو تمام ... إلى آخره"معناه: أن هذه الأفعال انقسمت إلى قسمين، أحدهما: ما يكون تامًّا وناقصًا، والثاني: ما لا يكون إلا ناقصًا، والمراد بالتام: ما يكتفي بمرفوعه، وبالناقص: ما لا يكتفي بمرفوعه، بل يحتاج معه إلى منصوب، وكل هذه الأفعال يجوز أن تستعمل تامة، إلا"فتئ"و"زال"، التي مضارعها"يزال"، لا التي مضارعها"يزول"، فإنها تامة، نحو"زالت الشمس")، و"ليس"، فإنها لا تستعمل إلا ناقصة، ومثال التام قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] ؛ أي: "إن وُجِد ذو عسرة"، وقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 107] ، وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] [1] ، أما ابن هشام فقد قال:"قد تُستعمل هذه الأفعال تامة؛ أي: مستغنية بمرفوعها، نحو: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] ؛ أي: وإن حصل ذو عسرة، و {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] ؛ أي: حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح، و {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 107] ؛ أي: ما بقِيَت، وقوله:"وبات وباتت له ليلةٌ"، وقالوا:"بات بالقوم"؛ أي: نزل بهم، و"ظل اليومُ"؛ أي: دام ظلُّه، و"أضحينا"؛ أي: دخلنا في الضُّحى، إلا ثلاثة أفعال، فإنها ألزمت النقص، وهي: فتئ، وزال، وليس" [2] ."
(1) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك/ تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد/ المكتبة العصرية/ صيدا - بيروت/ 1421 هـ - 2000 م/ 1/ 256 - 258.
(2) ابن هشام/ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك / تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد / المكتبة العصرية / صيدا - بيروت / 1417 هـ - 1996 م / 1/ 228 - 230.