والعجيب أيضًا أن مؤلِّفنا المتمرد الهدام، الذي لا يعجبه النحوُ والإعراب، ويشكك في وجود قواعد تحكم لسان العرب، قد كتب كتابه من مبتدَئِه إلى منتهاه على أساس من تلك القواعد النحوية [1] ، التي تَنخَّلها سيبويه وأضرابه بعد استقرائهم لكلام العرب وأشعارهم وللقرآن المجيد، وهو أبلغُ رد على هذا التحذلق الفارغ، بل التنطُّع المَقِيت الذي ملأ به صفحات كتابه.
وأنت، أيها القارئ الكريم، حين تقرأ هذا الذي يقوله المؤلِّف، يقوم في نفسك أن هدفه هو الدعوة إلى مزيد من تقصِّي كلام العرب؛ كي تكون القواعد النحوية أكثرَ دقة وشمولًا، فلا يفلت منها استعمال قرآني أو شاهد شعري، كما أنك حين تراه يضيق صدرًا بالوقت والجهد الذي ينفق في تعليم الطلاب الجُمل التي لا محل لها من الإعراب مثلًا [2] ، ما دام ذلك كله لن يأتي بأية ثمرة في واقع الأمر، (إذ ما الفائدة التي تعود على الطالب من معرفة أن هذه الجملة أو تلك لا محل لها من الإعراب إذا كانت معرفة ذلك أو الجهل به لن يترتب عليه صحة في النطق أو الكتابة أو خطأ فيهما؟) - يقوم في نفسك أيضًا أن المؤلف يبغي تخليص النحو من الزوائد المرهقة في غير طائل للمتعلمين، وهما هدفانِ مشروعان، بل يستحقان التشجيع والمعاونة، بَيْدَ أنك تفاجأ في مواضعَ مختلفة من الكتاب بأن المؤلف يدعو إلى إهمال الإعراب جملة وتفصيلًا، وهذه مقتطفات من أقواله تشهد بصدق كلامنا، قال في ص 31 - 32:"إنه ليستوي عندي إذا قلت: كان أحمدُ فائزًا، أو قلت: كان أحمد فائزٌ، أو قلت: كان أحمد فائزٍ، أو قلت: كان أحمد فائزْ"، وقال في ص 66:"إن علامة رفع المثنى أو جره أو نصبه (الألف والنون في الرفع، والياء والنون في النصب والجر) لا أهمية لها عندي، فسواء قلنا:"حضر الطالبان"أو"حضر الطالبين"فالفهم تمَّ بأن من قام بفعل الحضور هما الطالبان (الطالبين) ، واستوعب السامع أن اثنين حضرَا، لا ثلاثة أو واحد مثلًا"، وقال في ص 77 ساخرًا من الإعراب:"يرتعد النحاة ويتضايقون إذا قال أحدنا:"إن الشمس ساطعةً"، أو"كان الجندي جريحٌ"، ولكنهم يقبلون مصطلح"مفعول معه"، وكيف يتم إنجاز الفعل من قبل الإنسان والشارع معًا؟"، وقال في ص 87:"إنه يستوي عندنا القول تمامًا في الجمل اللاحقة:"جاء أبو وليد"،"رأيت أبو وليد""
(1) وإن كان في كتابه مع ذلك أخطاء ترجع إلى عدم اكتمال الأداة، وليس إلى المبدأ الفاسد الذي يلح عليه في مواضع كثيرة منه، والذي يدفعنا إلى تغيير عنوانه من:"الرفض التام لما في النحو من أوهام"إلى"الوهم المأفون لزكريا أوزون".
(2) ص 116.