الصفحة 40 من 72

ونغادر"المفعول لأجله"منتقلين إلى باب"الحال"، ولكن يظل الارتباك باسطًا جَناحيه على عقل السيد المؤلف وفكره، فهو يقف عاجزًا أمام التفرقة بين"الحال"و"الصفة"، وبدلًا من أن يحاول بذل الجهد كي يفهمَ يسارع في عناد الصغار الذين يظنون أن على سُنن الحياة أن تتغيَّرَ كي تتوافق وما يشتهون، لا أن ينزلوا هم على حُكمها، قائلًا: إنه لا يوجد فرق بين"راكضًا"في قول زيد:"خرج طلال راكضًا من الملعب"، و"راكض"في قول عمرو:"خرج لاعب راكض من الملعب"، والسبب؟ السبب هو أنه لا يكفي، في هذه التفرقة، أنه قد تصادف أن زيدًا كان يعرف اسم اللاعب الذي خرج من الملعب فكان الفاعل معرفة، ومن ثم كانت"راكضا"حالًا، وأن عمرًا للأسف لم يكن يعرف اسمه، فاستخدم فاعلًا نكرة، وترتب على ذلك أن رفعت"راكض"على أنها صفة [1] ، يريد، فيما أتصور، أن يقول: إن صاحب الحال يجب أن يكون معرفة، وما دام اللاعب في عبارة عمرو ليس معرفة، فكان لا بد من إعراب"راكض"صفة ورفعها من ثم، أقول:"يريد، فيما أتصور، أن يقول: ..."؛ لأنه لم يقله صراحة، ولا أدري أتصوري هذا صحيح أم لا، ولكني أحاول أن أحسن به الظن؛ كي أجد لاعتراضه هذا أساسًا يقوم عليه، وإن كان من الممكن ألا تكون المسألة واضحة في ذهنه على هذا النحو، ولكن خَلِّنا فيما نحن فيه، ثم إنه يستمر في اعتراضه قائلًا: إن"راكض"وأشباهها لا تصلح أن تكون صفة؛ لأن الصفات لا تكون في الأمور الآنية والمؤقتة، بل للخَلْق والخُلُق حسب عبارته [2] .

ونبدأ بالحديث عن صاحب الحال، وهل لا بد أن يكون معرفة فنقول: إن النحاة يشترطون ذلك حتى لا يكون هناك لَبْسٌ في عبارة:"قابلت طفلًا باكيًا في الشارع"وأمثالها؛ إذ نحتار بين إعراب"باكيًا"صفة (على أساس أنه قد تحقق فيها الشروط الأربعة من العشرة، وهي أن تتوافق الصفة وموصوفها [3] في الإفراد أو التثنية أو الجمع(وهما هنا مفردان) ، وأن يتوافقا أيضًا في التذكير أو التأنيث (وهما هنا مذكَّران) ، وأن يتوافقا كذلك في الرفع أو النصب أو الجر (وهما هنا منصوبان) ، ثم أن يتوافقا في التعريف والتنكير (وهما هنا منكَّران، ومعروف أن الحال لا تكون إلا نكرة، اللهم إلا في بعض التراكيب المستثناة سماعًا) ، وبين إعرابها"حالًا"على أساس أن شروط الحال قد تحققت فيها، وهي أن تكون منتقلة لا ثابتة؛ أي: صفة متغيرة لا ملازمة

(1) أي نعت.

(2) ص 79 - 80.

(3) أي: النعت والمنعوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت