للموصوف، وأن تكون مشتقة لا جامدة، وأن تكون نكرة لا معرفة ... إلخ [1] ، لكن لا بد من التعقيب على ذلك بأن عبارة"قابلت طفلًا باكيًا في الشارع"لا تغطي كل التراكيب التي يمكن أن يرد فيها صاحب الحال نكرة؛ إذ من الممكن أن يكون صاحبها مرفوعًا، كما في قولنا:"خرج لاعب راكضًا من الملعب"، أو مجرورًا مثل"أمسكت بلص مكتوفًا"، وعلى هذا فإن خِيفَ اللَّبسُ في مثال"قابلت طفلًا باكيًا في الشارع"بحجة أن"راكضًا"هنا تصلح (من الناحية النظرية) أن تعرب صفة وحالًا في ذات الوقت، فإنه لا ينبغي الخوف من ذلك في المثالين الآخرين؛ لأن التوافق في الإعراب بين الفاعل أو الاسم المجرور وبين"راكضًا/ مكتوفًا"غير متحقق؛ إذ لا يصحُّ إعراب أي من هاتين الكلمتين صفة.
هذه واحدة، والثانية أن النحاة قد أتبعوا كل شرط من الشروط التي ذكروها للحال بأمثلة لا جدال في ورودها عن العرب، وفي موافقتها للعقل والمنطق والذَّوق اللغوي، ولكن لا يتحقق فيها هذا الشرط، بما يدل على أن هذه الشروط تغليبية لا حتمية، ومنها الشرط الذي يوجب أن يكون صاحب الحال معرفة، حتى إنهم استثنوا عدة حالات من ذلك، بل إن بعضهم لم يشترط هذا الشرط، ومنهم سيبويه [2] ، الذي يهاجمه المؤلف بدءًا من عنوان كتابه، رغم أنه لم يرجع إلى ذلك الكتاب ولا مرة واحدة، ولا أظنه قد اطلع عليه، بل لا أظنه قد رآه قط، ومن الأمثلة التي يضربونها لذلك قولهم:"صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا، وصلى وراءه رجال قيامًا" [3] .
وعلى ذلك، فلا أظن إعراب"باكيًا"في عبارة"قابلت طفلًا باكيًا في الشارع"على أنها"حال"أيضًا إلا جائزًا، وذلك إذا أردت القول بأنني قد قابلته وهو يبكي دون الاهتمام بالإشارة إلى أنه كان يبكي قبل مقابلتي إياه، أو أنه استمر يبكي بعدها، بخلاف ما لو أعربناها"صفة"؛ إذ المعنى أنه كان يبكي قبل المقابلة (وربما بعدها أيضًا) ، فإذا عدنا إلى المثال الذي ضربه المؤلف، وهو"خرج لاعب راكض من الملعب"فإننا نقول: إنه يجوز رفع"راكض"أو نصبها حسب نيتنا: فإن كان المقصود أنه كان يركض قبل خروجه (وربما بعده أيضًا) قلنا:"خرج لاعب راكض من الملعب"، أما إذا كان المقصود النصَّ على أنه عندما خرج كان يركض دون أن نهتم بحالته
(1) انظر"أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك"لابن هشام /2/ 285 وما بعدها، وقد أهملت ذكر شرط رابع يختلف حوله النحاة، ولا يهم القارئ كثيرًا.
(2) انظر"أوضح المسالك"/2/ 278.
(3) انظر"شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"/1/ 581.