قبل ذلك أو بعده (وربما لم يكن يركض قبله ولا ركض بعده) قلنا:"خرج لاعب راكضًا من الملعب"، وهي، كما يرى القارئ، نِكاتٌ دقيقة، ولا يعترِضَنَّ أحدٌ على مِثل هذه التدقيقاتِ بحجة أن معظم الناس ليسوا مستعدين لتضييع وقتهم أو إرهاق أذهانهم فيها؛ إذ الرد على هذا الاعتراض سهل، بل واجب، وهو أنه كلما زادت الرغبة في هذه الدقة، كان ذلك دليلًا على شدة الحساسية العقلية والتعبيرية.
أما لو أصر المعترض بعد هذا كله على اعتراضه، فليعرف أن هناك مَن لا يضيقون بهذا من ذوي العقول الرهيفة، والأفكار العميقة، والثقافة الرفيعة، وعلى أية حال فالامتياز بطبيعته ذو تكاليف مرهقة، لا يقدر على بذلها كل أحد، أما القول بأنه"كله عند العرب صابون"فهو عنوان على التخلُّف، ينبغي أن نكف عن ترديده، وما نجح الأمريكان والبريطانيون في احتلال العراق في هذه الأيام النحسات (وربنا يستر فلا يكررون ضربَهم فاحتلالَهم لبلاد عربية أخرى، وليس هناك ضمان لشيء من هذا) إلا لأنهم، إلى جانب أشياء أخرى، أكثر تدقيقًا منا؛ في التخطيط، والمتابعة، والصناعة، والسلاح، والتجسس، والحرب النفسية، وعمل الحساب لكل شيء، وفي كتب النحو الإنجليزية والفرنسية المطولة يجد القارئ هذه النكات الدقيقة، التي قد يظن بعضُنا أنها من سمات نحوِنا وحده، وبالمناسبة فاللغة الإنجليزية مثلًا تفرق، كما تفرق لغتنا، بين التركيبين اللذين نحن بصدد مناقشتهما، فتقول في"خرج لاعب راكض من الملعب":"A run- nig fotball- player came out of the field"، وفي"خرج لاعب راكضًا من الملعب":"A football - player came out of the fild rumming"، مما يدل على أن هناك نكتةً دقيقة توجب التفريق هنا، وهو ما شرحته آنفًا.
وأخيرًا، فإن زعم السيد أوزون بأن الصفة [1] لا تكون إلا في الخَلْق والخُلُق؛ أي: لا بد أن يتحقق فيها الدوام والثبوت، ومن ثم يجب إعراب كلمة"راكض"في قولنا: (خرج طلال راكضًا من الملعب) و"خرج لاعب راكض من الملعب"حالًا في الجملتين؛ لأن الركض ليس صفة ثابتة في الشخص؛ إذ لا يمكن أن يظل الإنسان طول عمره راكضًا - هو شرط غريب لم يقُلْ به أحد قط، وفي اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية يُعرِبون كلمة"راكض"على أنها"adjectif، adjective، adjektif"؛ أي:"صفة"رغم أن"الركض"ليس من الصفات التي تلازم الشخص طول حياته، وواضح أن مؤلفنا الهُمَام قد أخطأ فهمَ قول النَّحْويين: إن مِن شروط الحال أن تكون منتقلة لا ثابتة، فقام في وهمه أن"الصفة" (أي النعت) ، بطريق المخالفة،
(1) أي النعت.