الصفحة 43 من 72

لا بد أن تكون ثابتة في الشخص لا تغادره ما لم يغادرِ الدنيا، فمن قال ذلك؟ إن النحو لا يؤخذ من الأوهام، وبخاصة إذا كانت أوهام السيد أوزون، الذي يغرق في شبر ماء! إن الصَّرْفيين يفرقون بين"اسم الفاعل"و"الصفة المشبهة"في بعض الأحيان على هذا الأساس، لكن لم يحدُثْ أن فرَّقوا بِناءً على هذا الاعتبار بين"الحال"و"الصفة" (أي النعت) ، ومع ذلك فلا بد من القول: إن كثيرًا من صفات الخَلْق والخُلُق التي تستعمل لها الصفة المشبهة قد يعتريها التبديل: فالأعرج أو الأحول قد يبرئه الطب من حَوَلِه وعَرَجه، والرخيم الصوت قد يصبح صوته أجش، والجميلة قد يعرض لها ما يشوِّهُ وجهها، والأسود البشرة قد يُجري (مثل مايكل جاكسون) عملية جراحية تبيض وجهه، بل كثيرًا ما نرى صبيانًا وبناتٍ في صِغرهم لا يلفتون نظرنا بوسامة أو جمال، ثم إذا بهم بعد أن يكبروا وينضجوا يتحولون من حال إلى حال، بل لقد يصبح البخيل كريمًا، والشجاع جبانًا، وهذا كله مشاهَدٌ في الحياة مِن حولنا.

وقبل أن ننتقل من"الحال"نأخذ في طريقنا ما يهرِفُ به الكاتب الفهَّامة من أن"فرادى"أو"معًا"في عبارة مثل"جاء القوم معًا أو فرادى"لا يمكن أن تكون حالًا؛ لأنها، كما قال،"لا تبين هيئة الأشخاص، بل تبين كيفية مجيئهم" [1] ، وقد ذكر"الهيئة"هنا بسبب ما قاله النحاة في تعريف الحال من أنها"وصف فضلة منتصب للدلالة على الهيئة"، لكنه كالعادة قد أخطأ فهم"الهيئة"، فتوهم أن المراد بها هو شكل الوجه وما أشبه ليس إلا، وأن الكيفية التي يكون عليها الشخص عند إتيانه الفعل أو عند وقوع الفعل عليه لا يدخل مِن ثَم في"الهيئة"، أرأيت، أيها القارئ الكريم، عبقريةً كهذه العبقرية؟ لكن"الهيئة"، رغم عجز كاتبنا عن الفهم، تغطي هذا وذاك جميعًا، وعلى هذا نقول في"الحال": إنها تدل على حالة الشخص، أو هيئته، أو موقفه آنذاك، أو الكيفية التي أدى الفعل بها، والمعنى في كل ذلك واحد، فنقول مثلًا:"قابلني سعيد متهلل الوجه، أو معسرًا، أو مسرعًا، أو منفردًا، أو خالعًا سُترتَه، أو صائحًا من الألم، أو وهو ذاهبٌ إلى الجامعة، أو وأبوه يضربه ... إلخ".

هذا في الحال، أما التمييز فحسبنا منه ما جادت به قريحة مؤلفنا الألمعي في إعرابه كلمة"أرضًا"في قولنا:"اشتريت دُونَمًا أرضًا"أو"اشتريت دونم أرض"؛ إذ يركَبُ دماغَه (أو دماغه هي التي تركبه، لا يهم) قائلًا: إنها ليست هي التمييز؛ لأنها لم تميز كلمة"دونم"، ولم تُزِل عنها الإبهام، بل"الدونم"هو الذي ميز الأرض؛ لأنه قد بين لنا أن مساحة الأرض المشتراة مقدرة بالدونم لا

(1) ص 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت