أما في قوله تعالى في الآية 162 من سورة"النساء": {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 162] ، فيقول: إننا نلاحظ أن كلمة"المقيمين"جاءت منصوبة بالياء، والأصح أن تأتي مرفوعة (المقيمون) ، سواء كانت معطوفة على"الراسخون"، أو مبتدأ بدأنا به الجملة الاسمية حسب مدرستهم ... إلخ" [2] ، وفي هذا الكلام ما فيه من خروجٍ على الأدب؛ فهو ينصِّب نفسه حاكمًا على القرآن الكريم ولُغتِه، فيقول:"إن الأصح أن نقول كذا"، بما يعني أنَّ ما جاء به القرآن أقل صحة، وهو بهذا يرتقي مرتقًى صعبًا، بل مستحيلًا على أمثاله؛ إذ قد رأينا بضاعتَه، وهي لا تعدو أن تكون من كُناسة السوق آخر النهار! ترى هل باستطاعته أو باستطاعة أحد الآن أن يخطِّئ القرآن، حتى لو قيل: إنه من عند محمد صلى الله عليه وسلم؟! إن اللغة إنما تؤخذ من القرآن، وهذا ما ينبغي أن يَدين به كلُّ أحد، حتى الكافرون؛ إذ هو (في أسوأ التقديرات) كلام قاله عربي أصيل، وتحدى به العرب الأُصلاءَ أجمعين، فلم يرُدَّ أحدهم بكلمة يشتمُّ منها رائحةُ اعتراض أو تخطئةٍ لشيء من أسلوبه، وغاية ما قالوه:"لو نشاء لقلنا مثل هذا"، ولم نسمع أحدًا منهم يقول: إن الصواب في هذه الكلمة منه أو الأصوب أن تكون كذا بدلًا من كذا [3] ، فما معنى أن يأتي جُوَيْهِلٌ في آخر الزمان فيقول: إن الأصحَّ أن ترفع"المقيمين"؟"
(2) ص 124.
(3) من هنا فلا معنى لاستدراك زكريا أوزون (هذا الاستدراك ذي المغزى) بأنه، رغم كونه مسلمًا مؤمنًا بكتاب الله عز وجل، لا يمكنه فرضه على العربي غير المسلم ليكون مرجعيته العربية المعتمدة (ص 171) ، أقول: لا معنى لهذا الاستدراك؛ لأكثر من سبب؛ فأولًا: لم يقل أحد من المسلمين بفرض كتاب الله على أحد، بل المنطق يفرض ذلك؛ لكون القرآن المجيد نصًّا عربيًّا؛ فهو مرجع لقواعد اللغة، مَثَله (على أسوأ تقدير) مَثَل شِعر امرئ القيس وطرفة وعنترة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير، وخُطَب قسِّ بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت ... إلخ، وثانيًا: فإن يهود العرب ونصاراهم يقرؤون كتابهم المقدس مترجمًا إلى العربية الفصحى بنفس القواعد التي نزل بها القرآن، وإن حاول زكريا أوزون عبَثًا أن يدخل في رُوع القارئ أن أهل الكتاب من العرب يقرؤون كتابهم في لغةٍ غير لغتنا، أو على الأقل بغير العربية الفصحى، وهو بطبيعة الحال غير صحيح البتة، وثالثًا: لماذا يتحدث أوزون أو غير أوزون باسمهم، وهم، والحمد لله، ذوو ألسنة تستطيع التعبير عما تريد؟ إن محاولة بعض المنتسبين إلى الإسلام دقَّ الأسافين بين المسلمين وغير المسلمين في الوطن العربي هي محاولة سخيفة ومتنطعة وسيئة المقصد، فليكُفَّ هؤلاء عن هذه الاستفزازات الشريرة التي تهدف إلى إثارة غير المسلمين ضد القرآن الكريم وأهله، إننا بطبيعة الحال نؤمن أن القرآن هو الكتاب الحق، بَيْدَ أننا لا نفرض هذا على أحد، بل نرى أن من حق غيرنا أن يؤمن بعكس هذا تمامًا، ولكن هذا أو ذاك لا ينبغي أن يكون مدخلًا إلى الدعوة لنَبْذِ اللغة العربية أو تجاهل القرآن الكريم في قضية الصحة اللغوية؛ لأنه ضد منطق اللغة ذاته.