الصفحة 48 من 72

وعلى طريقة:"رمَتْني بدائها وانسلَّت"يرمي كُوَيْتِبُنا نحاتَنا القدامى بأنهم يتطاولون على كتاب الله، هكذا"خبط لزق"كما نقول نحن المصريين! أوَتدري، أيها القارئ الكريم، تهمة هؤلاء النحاة؟ تهمتهم أنهم أعربوا كلمة"ملة"في قوله عز شأنه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] بأنها منصوبة على الإغراء [1] ، بمعنى"الزَموا ملَّةَ أبيكم إبراهيم ولا تتخلَّوْا عنها"، فهل يستطيع أحد القطط حاسة شم أن يجد في هذا الكلام أية رائحة تطاول؟ إن كُوَيْتِبَنا قد أصيب إصابة قاتلة في حاسة الشم لديه؛ فهو ينفِرُ من رائحة الورود والرياحين ويتأذى منها، ويتلذَّذُ بدلًا منها بعطر الجيف والفضلات، وهذا هو السبب الوحيد الذي يمكن أن يفسر لنا توهمه التطاولَ على كتاب الله في كلام نَحْوِيِّينا المساكين، وإذا لم يكن هذا الإعراب يُقنِع كُوَيْتِبَنا أو لم يكن يعجبه، فما هو الإعراب الصحيح في نظره؟ إنه لا يقدم لنا شيئًا، بل يكتفي بالهدم (الهدم الأرعن الجهول) غيرَ مُعَنٍّ نفسَه بالبناء، وهذا عيبٌ آخر من عيوب الكتاب.

ما أسهلَ الهدمَ على أي متطاول أو أهوج امتلأت نفسه بشهوة الحقد والتدمير! لكن العبرة بالمقدرة على البناء وتقديم البديل، إن الكاتب يعترض مثلًا على مفهوم"نائب الفاعل"ومصطلحه قائلًا:"إن الأفعال المبنية للمجهول هي الأفعال التي حُذِف فاعلها وناب عنه غيرُه، وفي هذا التقسيم الرهيب نجد أن النحاة أيضًا قد اهتموا بالحركة في آخر الكلمة، وهي الضمة في حالنا، ونسُوا المنطق وإعمال العقل"، ثم يضرب جملة"كُسِر الزجاجُ"مثلًا على ذلك المبني للمجهول، ليعقب بقوله:"لقد لاحظ النحاةُ أن كلمة"الزجاج"في مثالنا السابق قد جاءت مرفوعة، فسمَّوْها"نائب فاعل"؛ لأنها نابت عنه في حركة الرفع، ضاربين عُرْضَ الحائط بكل"

(1) انظر ص 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت