الصفحة 49 من 72

المعايير والمقاييس المنطقية، ويطلبون مِن الطلاب أن يفهموا ويحفظوا تلك القواعد التي لا تتطابق فيها الدلالات والمدلولات، ثم كيف لنا أن نقول في إعراب"كُسِر": فعل ماضٍ مبني للمجهول؟ كيف نبني أمًرا على المجهول؟ وهل يبنى شيء على ما يسمى المجهول؟ فالمجهول غير معروف، فكيف نبني عليه؟ ما هذا الكلام؟ وما هذه المعاني التي لا نرى عند فكفكتها إلا الخروج عن كل ما يمكن تصوره في عقولنا من مفاهيم وأفكار؟" [1] ."

والواقع أنني لم أملِكْ نفسي عند قراءة هذه السطور من القهقهة؛ ذلك أن الكاتب يقول:"عقولنا"، وكأن عند أمثاله عقولًا! وطريقةُ تفكيره هنا قد أيقظَتْ من بين ركام الذكريات في ذهني الدليلَ الذي كان يستدل به شيخٌ أمِّيٌّ بقريتنا في صبايَ البعيد على أن أبا بكرٍ الصِّدِّيق كان يكبُرُ النبيَّ عليه السلام سنًّا؛ إذ كان هذا الأميُّ العجوز يضيف قائلًا:"والدليل على ذلك أن الرسولَ كان يناديه: يا أبي بكر"، يظن أنه كان يقول:"يا أبي"على سبيل التبجيل؛ لأنه في سن أبيه! فهذا من ذاك، وعقل الأستاذ أوزون وعقل ذلك الأميِّ متطابقانِ كحذوِك النَّعْلَ بالنعل! وكنا نحب لو أن الأستاذ المؤلف النِّحرير قد فطَّنَنا إلى وجه الصواب في هذا الموضوع، لكنه أبى إلا أن يحرِمنا من علمه الغزير، ويتركنا في الظلام الحالك نتخبَّط، كان الله في عوننا!

ومع ذلك فلنحاول، على ما في عقولنا من كلال وقصور، أن نبحث الأمر، لعلنا مستطيعون أن نبلغ فيه ما يشفي صدور قوم جاهلين حائرين، إنه يستغرب كيف يبنى أمرٌ على مجهول، حسن، أوليس كثير جدًّا من الأبنية في العالم مبنيًّا على مجهول؟ ألا تقيد كثير من القضايا في المحاكم ضد مجهول؟ أليس بين البشر من هم مجهولو الأب والأم؟ أوليست حياتنا نحن بني الإنسان مبنيَّةً - في أغلبها - على مجهول ما دمنا لم نؤتَ مِن العلم إلا أقل القليل؟ إنني أستطيع أن أمضي في ضرب هذه الأمثلة فلا أنتهي، بَيْدَ أني أضيف هذا المثال ثم أكُفُّ بعده، فأقول: ألست أنا الآن أردُّ على زكريا أوزون وأنا لا أعرف عنه شيئًا؛ فهو بالنسبة لي، وكذلك بالنسبة للقراء الذين سيقدر لهم أن يقرؤوا كتابي، مجهول؟ ألست، وأنا أكتب هذا الكتاب، أجهل ما إذا كان سينشر أو لا، وأي دار نشر ستنشره إن قُيِّض له أن يُنشَر؟ هل منعني شيء من هذا أن أكتبه وأتحمس له؟

أما"ما معنى مصطلح"المبني للمجهول"؟"فهو أن الفعل صِيغَ على أساس أن الفاعل مجهول؛ فهو إذًا لم يُبْنَ لفاعل معلوم، بل لفاعل مجهول، فسمي من هنا"مبنيًّا للمجهول"، أيجد القارئ في هذا التفسير أدنى صعوبة؟ بَيْدَ أن كاتبنا اللَّوذعيَّ لا يسَعُ عقله أن يفهم ذلك التفسير، وأترك

(1) ص 42 - 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت