ومن هذا الوادي كذلك سخَطُه على من يعرب"ما"والفعل التالي لها في قوله تعالى: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 118] بأنها"مصدرية غير ظرفية"، وأنها وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف الجر، تقديره"برحبها"، قائلًا:"ما هذا التفكير والتأويل العقيم؟ وما حاجتنا إلى تأويل أو استبدال ..."بما رحبت"... بـ"رحبها"؟ ما هو الدافع؟ وما هو الهدف؟ وما هي الغاية؟ وما الفائدة من مصطلح"مصدرية ظرفية وغير ظرفية"؟ ما هذه المصطلحات التي أفقدت اللغةَ جمالها وجعلتها وهمًا لا حقيقة؟ وهل هذا التخيل الخيالي يغني الآيات الكريمة السابقة ويوصلنا إلى معناها الحقيقي أم يبعدنا عنه؟" [1] ، ثم لا يشغل نفسه ولو لِثوانٍ في اقتراح البديل، متصورًا أن في الفهم العامي لهذه الآية التي يأخذها"شَرْوَة"دون تدقيقٍ وتعميقٍ الغُنْيةَ كلَّ الغُنْية، معيدًا إيانا بهذه الطريقة إلى ماضي البشرية السحيق أيام أن كانت الأمور تدرك إدراكًا شاحبًا لا يتعلق منها إلا بخطوطها العراض! وعلى ذلك قِسْ سائر تعبيراته المنفعلة التي ترمي أشداقها بالزَّبَد في كل اتجاه دون أن تقدم لك شيئًا، والتي يمكنك أن تجد بعضًا آخر منها في الصفحات 28، 29، 32، 41، 64، 65، 68، 75، 134 ... إلخ.
وإلى جانب ما مر ينبغي أن نضيف ما قاله في مسألة"المصطلحات"؛ إذ ثمة مصطلحات ينبغي في رأيه أن تغير، ومنها مصطلح"الحرف"، مثل:"قد، ومن، والواو، وهل، ولم، وما، وإلى، وسوف ... إلخ"، فهو يرى أن استعمال هذا المصطلح لتلك الكلمات وغيرها هو استعمال خاطئ، ويجب نبذُه والاستعاضة عنه بكلمة"الأداة"، وشبهته أن"عن"مثلًا مؤلَّفة من حرفين لا حرف واحد، و"إلى"مؤلفة من ثلاثة أحرف، و"لكن"من أربعة ... وهكذا، فلا تطابق إذًا بين الدالِّ والمدلول [2] ، ومن الواضح أنه لا يفهم معنى كلمة"مصطلح"، وأنه لا يتطابق عادة مع المعنى اللغوي الأصلي للكلمة؛ فـ:"الصلاة"مثلًا تعني في الأصل"الدعاء"، لكنها في الاصطلاح تعني شيئًا آخرَ أوسع من الدعاء، وأكثر تعقيدًا، وعلى هذا فليس هناك أدنى خطأ في استعمال مصطلح"حرف"للدلالة على"قد"أو"سوف"، أو غيرهما من الكلمات المكونة من أكثرَ من حرف، وهذا لو كان الحرف يعني فعلًا في أصل اللغة الألف والباء والتاء ... إلى آخره، لكن هل هناك دليل على هذا؟ إن هذه الكلمة لم ترِدْ في القرآن الكريم بمعنى"الحرف الهجائي"، أما بالنسبة للشِّعر الجاهلي فإن الانطباع الذي عندي أنه، مثل القرآن، يخلو مِن استعمال هذه
(1) ص 100 - 101.
(2) انظر ص 25، 32.