الكلمة بالمعنى الذي نتحدث عنه الآن، لكنَّ هناك حديثًا يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لا أقول:"ألم"حرف، ولكن"ألف"حرف، و"لام"حرف، و"ميم"حرف" ) )، فإذا صح هذا الحديث يكون الرسول عليه السلام قد استعمل كلمة"حرف"للدلالة على كلمة من ثلاثة أحرف، وللدلالة أيضًا على كل حرف من أحرفها الثلاثة، وبذلك لا نستطيع أن نجد في ذلك الحديث حجَّةً لدعم هذا الرأي أو ذاك، وأيًّا ما يكن فكلمة"حرف"كانت تعني في البداية"طرَف الشيء"؛ كما جاء في الآية 11 من سورة"الحج"، ولو أخذنا برأي السيد أوزون فسوف نعترض على استخدامه بمعنى"الحرف الهجائي"أيضًا."
ثم ماذا يقول في استعمال القرآن الكريم للفظ"كلمة"إشارةً إلى عبارة مكونة من عدة كلمات لا من كلمة واحدة، وذلك في قوله عز شأنه:"قال (أي الكافر) : {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 99، 100] ؟ فالكلمةُ هنا تشير إلى قول الكافر:"رب، ارجعونِ لعلي ..."، كذلك ما العمل في"الحروف"المكونة من حرف واحد مثل"الواو والباء والتاء واللام والسين وهمزة الاستفهام؟ أنستبقي لها مصطلح"الحرف"؟ ونفس الشيء يقال عن"الأداة"التي يقترحها ذلك الهمام؛ إذ"الأداة" (كما نعرف جميعًا) هي الآلة التي يستخدمها كل صاحب حِرْفة في عمله، ومن ثَمَّ فمن السهل الاعتراض عليها بذات الطريقة التي يعترض بها السيد أوزون على مصطلح"الحرف"، ولسوف ندخل بتلك الطريقة في متاهة لا يمكننا الخروج منها!
ومن ذلك اعتراضُه المتكرر على مجيء"المبتدأ"متأخرًا عن الخبر، وسخريَّتُه من هذا، وتأكيد أنه تناقض؛ إذ كيف يكون"مبتدأً" (أي تبتدئ به الجملة) ومع ذلك يتأخر إلى وسطها أو آخرها؟ [1] ، وواضح أنه يأخذ كلمة"المبتدأ"على معناها الحرفي، غافلًا عن أن هذا اصطلاح، وفي الاصطلاح لا تبقى الكلمة على معناها اللُّغوي الأول، بل يعتريها بعض الانزياح من خلال توسيع المعنى أو تضييقه، أو الانتقال به من الحقيقة إلى المجاز ... وهلم جرًّا؛ فـ:"الفاعل"مثلًا في النحو لا يشترط فيه أن يكون قد فعل الفعل، كما هو الوضع مع أفعال مثل"مرض"و"عطش"و"مات"، أما الأمر في"الجرِّ"فأوضح كثيرًا؛ إذ ما علاقة"الجر"على المعنى الذي نعرفه بكسر الاسم مثلًا؟ وعلى هذا يقاس استعمال مصطلح"المبتدأ"، الذي قد يأتي فعلًا في أول الكلام؛ كما في قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46] ، أو يتأخَّر عن الخبر؛ كما في عنوان الفلم المشهور:"في بيتنا رجل"، ولم يشترط النحاة في المبتدأ أن يأتي في أول
(1) انظر مثلًا ص 29، 30، 123، 137.