الكلام؛ فقد جاء في شرح ابن عقيل مثلًا أن"المبتدأ"اسمٌ أو بمنزلته، مجرَّد عن العوامل اللفظية أو بمنزلته، مُخبَرٌ عنه، أو وصفٌ رافعٌ لمكتفًى به" [1] ، بل إنهم نصوا نصًّا على مجيئه في عدد من الحالات متأخرًا عن خبره، وهذا متعالم لا حاجة بنا إلى الإفاضة فيه، ومع ذلك فإن من الممكن المجادلة بأن المبتدأ إن تأخر في بعض التراكيب عن خبرِه، فليس هذا هو الوضع الأصلي له، بل الوضع الأصلي هو تصدُّره للجملة، وهذه عملية يقوم بها الذهن تلقائيًّا، وفي التوليدية التحويلية في النحو ما يسمونه بـ:"البنية العميقة للجملة"، والمقصود بذلك التركيب الأصلي الذي يمكن أن يدخل عليه مع هذا من التحوير ما يتولَّد معه تراكيب أخرى تخالف ذلك التركيب، وفي اللغة الإنجليزية والفرنسية يقابل الـ"subject/sujet"المبتدأ، وهذا الـ"subject/ sujet"موضعه عندهم في صدر الكلام، لكن هذا لا يمنع أن يتأخر في بعض الحالات عن الخبر (the predicate predicat، وهو ما يسمونه:"inversion"؛ أي:"الانقلاب"، أو باصطلاح النحاة عندنا:"التقديم والتأخير"، وحتى في الحياة العملية كثيرًا ما يتقدم المرؤوس على الرئيس، كما هو الأمر عند إلقاء الحاكم خطابًا مثلًا؛ إذ يسبقه المذيع ليعلن عن هذه الخطبة للجمهور، كما كان الملوك قديمًا يأمرون طبَّاخيهم أن يتذوَّقوا الطعام الذي يقدمونه لهم قبل أن يمدوا هم أيديهم إليه؛ حتى يطمئنوا إلى أنه غير مسموم، ولكن يا ويل من تسول له نفسه، في غير هذه الحالة، أن يمد يده إلى الأكل قبلهم! وفي كل بلاد العالم يجلس المدرس في صدر الفصل مواجهًا التلاميذ، ورغم ذلك قد تضطره الظروف أن يترك هذه الصدارة ويقف وراءهم في آخر الغرفة، وذلك عند قيامه باستخدام آلة عرض الشرائح والصور مثلًا، ثم ألم تسمَعْ يا سيد أوزون أن لكل قاعدةٍ شواذَّ؟ هداك الله! ولا تكن مناكفًا، فكلما قال النَّحْويون شيئًا قلت أنت عكسه، كأنك"الشريك المخالف"!"
وأعجب من ذلك وأدعى إلى الدهشة استنكارُ كاتبنا مصطلح"الأسماء الموصولة"، ودعوته إلى تسميتها هي أيضًا"أدوات"، وشُبهته في هذا أنها"ليست معارف" [2] ، بما يعني أن"الأداة"عنده تقابل"المعرفة"، والمعرفة أحد قسمي"الاسم"من حيث التعريف والتنكير؛ أي: إنه يعد الأسماء الموصولة"أسماء"، لكنها غير معرفة، ومع ذلك وضعها هي و"الحروف"في سلة واحدة مطلِقًا عليها جميعًا:"أدوات"، فأي اضطراب في الفهم والتصنيف هذا؟! واضح أن الرجل قد زجَّ بنفسه فيما لا يفهم أو يحسن، وهي جرأةٌ منه لا أملِك إلا أن أعترف بأني أحسده عليها؛ إذ إني
(1) شرح ابن عقيل /1/ 167.
(2) انظر ص 60.