من الذين إذا فكروا في كتابة شيء شعَروا بالرهبة، واتهموا أنفسهم، وتريَّثوا قبل الاعتراض على شيء، وراجعوا ما يعِنُّ لهم قبل تسجيله على الورق، ونظروا في الآراء الأخرى التي قيلت في الموضوع لعلها أن تنبِّهَهم إلى أخطاء يستدركونها قبل إذاعتها على الجمهور، ثم هم يتهمون أنفسهم ويحبون أن يضعوا في حسبانهم بعد ذلك كلِّه أن من الممكن أن تكون بعضُ الأخطاء قد تسرَّبت إلى ما كتبوه، أما السيد أوزون فإنه، فيما هو بيِّنٌ مِن الكتاب الذي بين أيدينا، يهجم على موضوعه رغم قلة البضاعة مِن الفهم والتصور والقراءة، غيرَ مبالٍ بالموقع الذي تقعه كلماته واعتراضاته؛ إذ يكفي أن يطلق لقلمه العِنان فيكتب القلم ما يخطر له، والقلم (كما نعرف) جمادٌ لم يُرزَق للأسف عقلًا ولا مقدرة على المراجعة والتثبُّت، ولا يعرف شيئًا اسمه التشكك!
أما لماذا يرفض المؤلف العبقري أن يعد"الاسم الموصول"معرفة، فيتضح من المثال التالي الذي ضربه، وهو:"جاء الذي لا يعرفه أحد"؛ إذ يعلق بأننا "عندما نقول:"جاء الذي لا يعرفه أحد"يتضح تمامًا أن "الذي جاء"غيرُ معروف من أي شخص، فكيف يكون معرفة؟" [1] ، ناسيًا أن عبارة"الذي لا يعرفه أحد"قد عرَّفت به وبيَّنت لنا أنه غير معروف لنا، وهو ما يميزه عن الباقين الذين نعرفهم، وهذا هو التعريف المراد عند النحاة، لا التعريف بمعنى أن الشخص معروف الاسم والسن ولون البشرة والطول والعرض والوظيفة والبلد وتاريخ الميلاد والأسرة التي ينتمي إليها ... إلخ، يعرف ذلك عنه القاصي والداني والدنيا جمعاء، وإلا فليس هناك من الأشخاص المعارف إلا أقل القليل، وهم الذين طبَّقت شهرتهم الآفاق، وكانت لهم سمعة عالمية، وإن أمكن التشكيك حتى في هؤلاء؛ لأنه لا يوجد إنسان يعرفه كل أحد على وجه البسيطة! ومع ذلك فمن الممكن مجاراة السيد أوزون على فهمه هذا السقيم؛ كي نريح أنفسنا من عناء مثل هذه المناقشات الفارغة، فنقول: لا مانع عندنا من إخراج"الاسم الموصول"في هذا المثال وأشباهه من"المعارف"وإدخال الأمثلة الباقية فيها؛ كقولنا:"هَلَّ علينا الذي ألَّف كتابًا بعنوان"جناية سيبويه"بطلعته البهية"، وأنا على يقين أنه سيوافقنا على هذا الحل السعيد الذي سيملأ قلبه نشوة وحبورًا، بل سيرجع عن اعتراضه على المثال السابق ويقول:"خلاص! الاسم الموصول من أعرف المعارف، وليس معرفة فقط"! أوليس مضحكًا أن يتصدى إنسان بهذه العقلية للنحو وقضاياه؟ بل هو مضحك غاية الإضحاك، ولكنه ضحِكٌ كالبكاء، وقديمًا قيل:"شرُّ البلية ما يضحك"!
(1) ص 60.