كانت جملة فهي تتمة فقط، وأما النوع الثاني فيتكون من مبتدأ وخبر، فإذا دخَل عليهما"إن وأخواتها"قلنا: إن"المبتدأ"منصوبٌ في هذه الحالة، وفي جملة الاشتغال إذا كان المشتغَل به مرفوعًا كان مبتدأ، وما بعدها خبر، وإذا كان منصوبًا كان مفعولًا به، والضمير العائد عليه تأكيد له.
ونفس الشيء أدعو إليه فيما يتعلق بإعراب الكلمات التي تلزم حالة واحدة لا تعدوها أصلًا أو عادة، سواءٌ كانت مبنية أو معربة، مثل: أسماء الإشارة، وأسماء الاستفهام، والأفعال الماضية، والضمائر، والحروف، ومثل"الفتى"في كل حالاتها الإعرابية، و"القاضي"في الرفع والجر وما إلى ذلك، فنقول مثلًا في إعراب"مثُل الفتى أمام القاضي":"مثُل"فعل ماضٍ، و"الفتى"فاعل، و"أمام"ظرف مكان منصوب بالفتحة، و"القاضي"مضاف إليه، أما في تراكيب النداء والإغراء والتحذير وما أشبه فيكفي أن نقول في"يا عبدالله":"يا"حرف نداء، و"عبد"منصوب بالفتحة، و"لفظ الجلالة"مضاف إليه مجرور بالكسرة، ولا داعي أبدًا أن نقول: إن"يا"بمعنى"أدعو"، و"عبد"منصوب على المفعولية ... إلى آخر هذه التأويلات التي لا معنى لها، وبالمثل نصنع في"البدار"و"الأسد"و"إياك والأسد": فـ"البدار"اسم مغرًى به منصوب بالفتحة، و"الأسد"اسم محذَّر منه منصوب بالفتحة كذلك، أما لماذا نُصِبا فلأن العرب تنصب مثل هذين اللونين من الأسماء، لا لأن المعنى في الأول"الزم البَدار"وفي الثاني"تجنَّب الأسد"، فهما مفعول بهما، هذا كلام يشوِّش ذهن الطالب ويشغَلُه عما هو ألزم له وأهم، وهو سبب من أسباب نفور عامة الطلاب من قواعد اللغة؛ لأنها تبدو لهم ألغازًا عويصة مصطنعة لا جدوى منها ولا صدى لها في الواقع، ونحن معهم في ذلك، وقل مثله في جملة"ما أجملَ الزهورَ!"و"أجمِلْ بالزهور!"، فكل من"ما أجمل"و"أجمل بـ"هي"صيغة تعجب"، و"الزهور"في الأولى منصوبةٌ على التعجب، وفي الثانية مجرورة بـ"في"، وكفى الله المؤمنين القتال!
وكذلك أرفع صوتي إلى التقليل من التقديرات ما أمكن؛ إذ ما معنى أن نقدر فعلًا بعد"إذا"و"إنْ"الشرطيتين في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] ، وقوله سبحانه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] ؟ ويجيب النحاة بأن"إذا"و"إن"لا يجوز أن تليهما جملة اسمية، وسؤالنا بدورِنا هو: ومَن الذي أفتى بأن ذلك لا يجوز، وقد تكرر هذا التركيب في القرآن وفي الشِّعر القديم كثيرًا جدًّا؟ أوَبعد ذلك كله نُصِرُّ على أن التقدير في الآيتين الكريمتين هو"إن انشقت السماء انشقت"،"وإن اقتتل طائفتانِ من المؤمنين اقتتلوا"؟ أوَيصحُّ أن نضع قاعدة من وهمِنا أو بناءً على استقصاء ناقص ثم نخضع لها الجمل التي تخالفها