قسرًا وبِلَيِّ الذراع حتى لو كانت جملًا قرآنية؟ إن هذا هو الذي لا يجوز، كذلك ما معنى القول بأن عبارة"في الخزانة"من قولنا:"الفلوس في الخزانة"متعلقة بمحذوف تقديره"كائنة أو موجودة أو ... أو ..."خبر لـ"الفلوس"؟ لماذا لا نقول مباشرة: إن"في الخزانة"هي الخبر، ونريح وتستريح؟ كذلك ما معنى القول: إن الفعل المضارع"نكرم"في قولنا:"ألا تأتينا فنكرمَك"منصوب بـ"أن"مضمرة وجوبًا؟ لماذا لا نقول: إنه منصوب بعد"واو المعية" [1] وكفى؟ وأيضًا: ما لزوم القول بأن"لعمرك"مبتدأ خبره محذوف، وتقدير الكلام:"لعمرك قسمي إن الأمر كذا وكذا"؟ لم لا نقول ببساطة: إن"لعمرك"هي"أداة قسم"، ولا تقدير ولا يحزنون؟
وعلى مثل ذلك النحو لا داعي أبدًا للقول بأن"أنتم"مثلًا في قوله تعالى: {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ: 31] هي مبتدأ محذوف الخبر، وأن أصل الكلام:"لولا أنتم موجودون ...".
والعجيب أن النحاة، رغم هذا، يقولون: إن الخبر في هذا الموضع محذوف وجوبًا؛ أي: لا يمكن ذكره، فما دام ذكره غير ممكن، فكيف عرفوا أن ها هنا خبرًا وأن تقديره"موجود"؟ إن هذا اعتساف غير مقبول، والأحجى أن نقول: إن الاسم الذي يقع بعد"لولا"الشرطية يكون مرفوعًا، وكفى، وليس شرطًا أن يأتي بعدها جملة؛ إذ الكلام لا يحتاج إلى هذا البتة، فقولنا:"لولا أنت"معناها"بدونك"، وهو (كما ترى) كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خبر محذوف، والأحجى أيضًا أن نقول في:"نعم الرجل زيد": إن"زيد"بدل من"الرجل"، لا إنه مبتدأ حُذف خبره وجوبًا؛ إذ لو كان هنا فعلًا خبر، كما يقول النحاة، فلماذا وجب حذفه؟ والأحجى كذلك: عدم تقدير خبر محذوف في قولهم:"أنت وحظك"؛ إذ المعنى واضح دون تقدير كلمة"مقترنان"في نهاية الجملة، وإعراب الكلام هو:"أنت"مبتدأ، وعبارة"وحظك"سدَّت مسدَّ الخبر، والمعنى"أنت مرتبط بحظك"؛ أي: إن"الواو"لا تدل على العطف، بل تعني ارتباط ما قبلها بما يليها، وما دام الكلام يستقيم بهذه الطريقة المباشرة، فلماذا نلجأ إلى اللف والدوران؟
وبالمثل أحب أن أعلن استنكاري لقول النحاة في إعراب"ما"في قوله تعالى مثلا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] : إنها"زائدة"؛ إذ الواقع أن لها وظيفة تؤديها هنا، ألا وهي التأكيد! فبدلًا من أن نسميها:"ما الزائدة"، فلنقل:"ما المؤكدة"؛ لأنه لا يعقل أن
(1) لاحظ أنني لا أقول: منصوب بواو المعية، بل بعد واو المعية؛ ذلك أن سبب النصب هو أن العرب تنصب المضارع في مثل هذا التركيب، إلا إذا فهمنا نسبة النصب إلى"واو المعية"على أنه مجازٌ من مجازات الكلام للتسهيل وتذكير الطلاب بالقاعدة.