يستخدم القرآن أو أي إنسان عاقل كلمة لا معنى لها، إن النحاة في استخدامهم لهذا الاصطلاح إنما يبغُون الإشارة إلى أن المجرور لا بد أن يأتي بعد حرف الجر لا يفصل بينهما شيء، لكن ما دام قد تكرر مجيء"ما"في القرآن والشِّعر القديم بين الجار والمجرور، فمعنى ذلك بكل بساطة أن هذا يجوز، وحينئذ ينبغي أن نقول: إن"الباء"حرف جر، و"ما"مؤكدة، و"رحمة"مجرورة، ولا داعي لهذا المصطلح الذي يسيء (من حيث لا يقصد نحاتُنا الكرامُ بطبيعة الحال) إلى القرآن الكريم، أو إلى الشعراء والكتَّاب، وهم الذين ميزهم الله بعبقرية البيان.
ولا تتوقف عبقرية صاحبنا عند الإفتاء في النحو، بل يضيف إليه الإفتاء في سكِّ الكلمات الجديدة للمخترعات، ومصطلحات العلوم، ومستجدات الأفكار، والأوضاع والأنظمة والأطعمة والملابس، وما إلى ذلك، ورأيه أنه"يتوجب علينا ألا نضيع الوقت فيما يقابل المفردات والمصطلحات العلمية الإنجليزية في اللغة العربية، وأن نعيد النظر فيما يسمى بمجامع اللغة العربية ومهامها؛ فالعرب منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا، أي على مرِّ قرن من الزمن، لم يقدِّموا مصطلحًا واحدًا في مجال العلوم والتكنولوجيا، في حين أنهم قدموا آلاف الكتب الدينية والأدبية التي لا تُسمِن ولا تغني من جوع، وإن طلابنا اليوم بحاجة ماسة إلى تقويم في لغة العلم السائدة اليوم، اللغة الإنجليزية، خاصة في المجالات العلمية؛ لأنهم عندما يريدون التحصيل العلمي العالي فإنهم يحصلون عليه من البلاد الغربية وبلغتهم العلمية، مع وجوب المحافظة على لغتنا العربية التي ربما تعُود إلى القيادة والريادة عندما يتطور أهلها فِكريًّا وعلميًّا، ويتخلصون من شوائب التراث وعُقَدِ الماضي التي تلازمهم، كما أن تسمية المخترعات هي من حق الأمم التي أوجدتها وأبدعتها، ولا يحق لغيرها أن يغيِّرها، فنحن نقول:"راديو"عما سمَّوْه عندنا"مذياع"، ونقول:"تلفزيون"أو"T.V."عما سموه"الرائي"، ونقول:"كمبيوتر"عوضًا عن"الحاسوب"، و"تليفون"عوضًا عن"الهاتف"، وغير ذلك من المسميات التي جاءت من الغرب والتي لم يفلح أهل مجامع اللغة العربية في تعريبها أصلًا" [1] .
وإن نصيحة السيد أوزون في هذه السطور بوجوب المحافظة على اللغة العربية لَمِما يضحك الثكالى واليتامى معًا؛ إذ أين هي اللغة العربية وقد دعا جنابه إلى نبذِها واصطناع العامية بدلًا منها ثم مسخها بعد ذلك بالألفاظ المأخوذة من الإنجليزية؟ ولا أدري لم الإنجليزية بالذات، وعندنا اليابان والألمان والفرنسيون والروس وغيرهم من الأمم المتقدمة التي تخترع وتولد الأسماء
(1) ص 160 - 161.