الصفحة 61 من 72

الجديدة لما تخترعه؟ وهو يرى أن نترك كلمات"حاسوب"و"مذياع"وأمثالهما ولا نستخدم إلا"كمبيوتر"و"راديو"... إلخ؛ لأنها هي الكلمات الصحيحة، والأخرى خطأ، فتأمل! وإلى أن يتقدم العربُ العالَمَ ويصبحوا مخترعين ويُضْحِيَ من حقهم حينئذ، وحينئذ فقط، أن يستخدموا للأفكار والمخترعات الجديدة ألفاظًا من لغتهم تكون هذه اللغة قد استحالت إلى مثل مرقعة الدراويش! وكل هذا بفضل العبقرية الأوزونية التي تصطنع في عملياتها التفكيرية قدميها الضخمتين المفلطحتين بدلًا من عقلها، إن كان عندها عقل!

بارك الله فيك يا مولانا! ترى من أين جئتنا بفتواك العبقرية بتحريم سكِّ المصطلحات والتسميات الخاصة بالاختراعات ومستحدثات الأفكار على العرب بحجة أنهم لم يخترعوا مدلولاتها، فمن المحرم عليهم إذًا أن يخترعوا لها ألفاظًا من لغتهم؟ يا لك من فقيه! طيب، وماذا نفعل بالمسميات الجديدة التي ولدناها من لغتنا؟ أنرمي بها في صندوق القمامة ونستعيض عنها بمسميات إنجليزية مهدرين هكذا ما بذلناه من وقت وجهد في التعريب، ومتخلين دون أي داعٍ عن عزتنا القومية؟ ولكن لماذا هذا كله؟ وما الذي يؤذي نفسك في أن نستخدم كلمات من عندنا لمخترعات لم تصنع عندنا؟ أولا بد في رأيك أن نستورد الأمرين معًا: المخترعات وأسماء المخترعات؟ أرجو من القارئ الكريم أن يتصور أي مسخ مشوَّه ستكونه لغتنا لو أخذنا بهذه المقترحات الأوزونية الفذة [1] .

إن صاحب هذه الدعوة لهو في أحسن الأحوال:

كالعِيسِ في البيداء يقتلها الظَّما = والماء فوق ظهورها محمولُ

إن لغتنا، والحمد لله، برغم تخلُّف أصحابها قد أثبتت عبقرية عجيبة (لا كعبقرية صاحبنا) في مجاراة العصر، مع احتفاظِها بقواعدها وأسسها في الاشتقاق والتركيب، وإن إنسانًا يَضيق بمثل هذه اللغة لهو إنسان قد حرَمه الله نعمة الذوق والعقل، ولا يستحقُّ شرف الانتماء إلى هذا الإبداع البياني!

(1) وليس معنى هذا أن اللغة (أية لغة) يمكن أن تخلو من الألفاظ الأجنبية تمامًا، لكنَّ ثمة فرقًا بين تسرب بعض هذه الألفاظ إليها بين الحين والحين بحكم الضرورة وبين فتح الأبواب أمامها على مصاريعها دون ضابط ولا رابط، وبخاصة إذا كان في مقدورنا إيجاد مقابلات عربية لها؛ كـ:"القرص المدمج"للسي - دي، و"الحاسوب"للكمبيوتر، و"المرناء"للتلفزيون، و"والمسرة"للتليفون، و"السيارة"للأوتوموبيل، و"القنبلة"للبمبة،"وكرة القدم"للفوتبول، و"كرة الطاولة"للبنج بونج، و"التسلل"للأوف سايد، و"فاتح الشهية"للأيرتيف، و"الشطيرة"للساندويتش .. وهلم جرًّا، وبالمناسبة فقد كان رأي سلامة موسى من رأي زكريا أوزون، لكن اللغة العربية لم تحفِلْ بما كان ينادي به، وطوَّحَته في سلة القمامات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت