الصفحة 62 من 72

لكن ليس هذا بغريب على مَن يقول بعدم أهمية الأدب والدراسات الدينية، إن مِثل هذا القائل لأقرب إلى الجمادات منه إلى البشر! وأنا حين أقول ذلك لا أفتئت عليه في شيء؛ فإن مما يميزنا عن الجماد أن لنا عواطفَ وعقيدة وأخلاقًا تتطلب التغذية والإشباع، وإن إنسانًا لا يجد للأدب والدِّين من معنًى لهو إنسان عارٍ عن هذا كله، بل لسوف أضرب مثالًا واحدًا يدل على أنه قد عدم العقل أيضًا؛ إذ من المخترعات الحديثة المرناء (المرناء رغم أنفه، وعلى شجي حلقه، ومَغْص بطنه، وصداع رأسه) ، فما فائدة هذا المرناء يا ترى إذا خلا من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات والأغاني مثلًا؟ أليست هذه الفنون كلها فنونًا أدبية؟ ثم ألا يحتاج الناس أن يشاهدوا فيه أيضًا البرامج الدينية التي تذكِّرهم بربهم وتحيي موات قلوبهم وتبصرهم بأمور إسلامهم؟ ألا يدل هذا المثل على أن الرجل لا يعرف كيف يفكر، وإنما هي حالات تهيجية تعروه فينطلق رافسًا ومحطمًا كل ما يلقاه في طريقه؟ إن في هذا الضغن الذي يتناثر من فمه مع زَبَد شِدْقيه كالحمم لبرهانًا على شيء وراءه، وصدق المولى الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] ، {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] ، وها هو ذا الرَّجل يحقر الكتب الدينية ويراها عديمة الفائدة! وهذا يفسِّر لنا المغزى الكامن وراء بعض من أهدى لهم كتابه؛ إذ أهداه، ضمن مَن أهداه إليهم،"إلى كل من أحب الناس على اختلاف أجناسهم وأديانهم ومعتقداتهم"، إن الكتاب في اللغة والنحو، فما دخل حب الناس على اختلاف أديانها ومعتقداتها هنا؟ إن هذا لحنٌ من القول! ولو كان صادقًا في هذا الحب الكبير لقد كان أولى الناس بحبه هم أهلَه وعشيرته من المسلمين، لكن المقصود هو حب أهل الأديان الأخرى، وكراهية المسلمين ولغة الإسلام والكتب التي تؤلف في الإسلام!

إنه يهاجم القديم على طول الخط، القديم العربي والإسلامي وحده، وإلا فكل الأمم التي يقول لنا: إنه يحبها تحافظ على كثير من قديمها، ترى هل ترك الإنجليز أو الطليان أو الإسبان نحوهم؟ وهل كفُّوا عن التأليف في قضايا الدِّين؟ وهل توقفوا عن الإبداع الأدبي؟ فلماذا لا يحقر إلا أدب العرب وكتاباتهم الدينية؟ إن مَن يتخذ مِن نبذ القديم مبدأً له لهو إنسان معتوه، فليس بنبذ القديم، لمجرد أنه قديم، تتقدم البشرية، بل ينبذ ما ثبت خطؤه أو ضرره، أما ما لا يزال صالحًا من ذلك القديم فلا يفرِّط فيه إلا أبله، لنستمع إلى ما يقول:"إن عقدة القديم هي عقدة الشرق الإسلامي بأسره، وخاصة العرب، فما جاء من القديم صحيح، وكل ما يعارضه وما خرج عنه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت