الصفحة 63 من 72

خاطئ، أو مشكك فيه، وهذه المشكلة المعضلة أوصلت الأمة العربية والإسلامية إلى ما وصلت إليه اليوم، فكم من إنسان عربي وُلد عبقريًّا فذًّا [1] ، ومات جاهلًا مكبوتًا أمام عُقَدِ الماضي وحاكميته! ولو قال أحدنا: أنا أرى كذا في الدِّين أو اللغة أو الأدب القديم سارع حُماةُ الديار، ولا ندري مَن نصَّبهم ليكونوا حُماةَ الديار والماضي، ليقولوا: ومن أنت لترى؟ مَن أنت مِن العلماء السابقين الذين رأوا وبحثوا وعملوا؟ وما عليك إلا الطاعة والتطبيق" [2] ."

وجوابي على سؤاله هو: نصَّبهم الذي نصَّبك لهدم القديم جملة وتفصيلًا في نزقٍ ورعونة! لقد نصَّبت نفسك لهذا، وهم نصَّبوا أنفسهم لذلك، ولكنَّ ثمة فرقًا ضخمًا بينكما: فأنت ترى هدم أهم مقومات الأمة: اللغة والأدب والدين، أما هم فينافحون عن هذه المقومات، فشتان هم وأنت! أما تباكيك على العبقريات الموءودة فليس لك حق فيه؛ إذ ما دامت العبقريات الموءودة هي مِن نوع عبقريتك فلا عليهم أن يَئِدوها ويريحونا من هذا التخلف العقلي! لقد رأينا ورأى معنا القراء أي لون مِن العبقرية عبقريتك؛ فأنت لا تكاد تفهم شيئًا في النحو: لا مصطلحاته، ولا مفاهيمه، ولا تراكيبه، ولا ... ولا ... أنت لا تفهم إلا شيئًا واحدًا، هو الحقد على لغة القرآن، والرغبة الأثيمة في تحطيمها، وهيهات ثم هيهات! فليس بمستطاعِ الصرصور أن يهدم الهملايا بقرنيه! فاذهب واجلِسْ إلى قدمَيْ مَن يعلمك العقل أولًا، ثم النحو والصرف واللغة ثانيًا؛ (لأنك لا تستطيع أن تتعلم نحوًا ولا صرفًا ولا لغة دون أن يكون لك عقل يفكر تفكيرًا سليمًا) ، ثم تعالَ بعد ذلك وادخل من باب النظر في هذه العلوم في تواضع وخشوع، وادرُسْ ما كتب فيها دراسة متأنية متعمقة ممحصة، وليس يطلب منك عاقلٌ أن تخِرَّ ساعتها أعمى أبكمَ أصمَّ على كل ما كُتِب وقيل، بل المطلوب منك هو التسلُّح بالنظرة الناقدة، والمتحلية مع ذلك بالتجرد والعدل والإنصاف، والرغبة في بلوغ الحق، لا بالولع بالهدم والتحطيم والحقد، إن مِن العيب على الأطفال الصغار التطاول على الحكماء الكبار، وليس من المعقول أن يطمح إنسان إلى التزبُّبِ قبل أن يتحصرم، لا بل هو مستحيل، فاذهب - كما قلت لك - فاقرأ وحاول أن تفهم وتتعمق، ثم تعالَ بعد ذلك كله (إن أفلَحْتَ في الفهم والتعمق) فأجِلْ نظرتك الناقدة في كتب سيبويه، والزمخشري، وابن عقيل، وابن هشام، والأشموني، وغيرهم، وعندئذ قد تستطيع أن تبصر فعلًا ما هو بحاجة إلى إعادة نظر، أو تبديل، أو استدراك، أو تسهيل، أو حذف ... إلخ، إنهم حقًّا ليسوا إلا بشرًا، ولكن هذه الحقيقة لا تعطي لكل مَن هبَّ ودبَّ الحقَّ في التهجم

(1) كعبقرية زكريا أوزون التي ينضح بها كتابه هذا.

(2) ص 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت