عليهم والتهكم بهم، وإلا صارت الحياة كلها بهذه الطريقة عبثًا في عبث، اذهب إذًا فاقرأ وافهم وتوسع وتعمق، ثم تعالَ! أما قبل ذلك فكلاَّ وألفُ كلا، ولن يفيدك تصايحك وبكاؤك ولطمك خدودَك وشقك لهدومك، فهذا كله سلوك حمقى الأطفال الذين لا يصلح لهم ولا يصلحهم إلا ضربهم على أصابعهم؛ كي يقلعوا عن هذا السخف! ولو أننا أصخنا لكل متبلد كسول وعمِلنا على إرضائه، لَمَا تقدمت البشرية خطوة واحدة في مدارج الحضارة والرقي، الحضارة، يا هذا، جِدٌّ وكَدٌّ وعرَق، والتعليم وتحصيل الثقافة هو أبو الجِدِّ وأمُّه، وجدوده وأسلافه، أما الكسالى الذين يريدون أن يأكلوا وهم نائمون فسوف يفرمهم قطار الحياة فرمًا، وكفانا، أيها العرب والمسلمون، نوم وتثاؤب، وتخلُّف وخزي وعار ومذلة؛ فالدنيا من حولنا جادة، ونحن هازلون، والبركة في أمثال زكريا أوزون ممن لا يحبون أن يبذلوا جهدًا ويريدون أن تنزل الدنيا رغم ذلك على حُكم كسَلهم وهزلهم! وهذا هو المستحيل بعينه.
إن مَن يريد أن يسهل النحو فلا مَعْدَى له عن البناء على ما مضى (بناءً واعيًا ناقدًا، لا بناء العُمْي الذين ليس عندهم فهم ولا تقدير لِما يفعلون وما فعله مَن سبقوهم) ، أما الحِرانُ والإصرار كل حين على هدم ما سبق، فليس له من معنًى إلا العودة إلى نقطة الصفر في كل مرة، وهذه طريقة تعوق التقدم، وتهبِط بنا إلى مستوى العجماوات، حيث لا وجود للتراكم المعرفي، ولا فرصة لإحراز أي تقدم، إن الطائر يبني عشَّه بنفس الطريقة التي كان يتبعها أول طائر خلَقه الله، وعلى نفس النموذج، أما نحن البشر فشتان بين الجُحر أو الكهف الذي كان يسكنه الإنسان الأول وبين القصور والدارات والعمائر التي نبنيها اليوم، وكذلك فالبقرة تقتفي نفس الأسلوب الذي كانت تقتفيه جَدَّتها الأولى قبل ما لا أدري كم من ألوف السنين أو من ملايينها في تناول طعامها، أما نحن بني الإنسان فيا لها من آماد شاسعة تذهل اللُّبَّ تلك التي تفصل بين الطريقة البدائية التي كان أسلافنا الأولون يقتطعون بها اللحم النِّيءَ من جسد الحيوان الذي كانوا يقتلونه أو يصادفونه ميتًا في فجر التاريخ السحيق (أو بالأحرى في ليله الدامس) وبين الأسلوب المتحضر الراقي الذي نعد أطعمتنا ونتناولها اليوم به!
لقد تعددت المحاولات التي قام بها علماء النحو ومَن يهتمون مثلهم بهذا الفرع من العلم لتيسيره، ولم يحدُثْ أن عالِمًا محترمًا اعتمد أسلوب الركل والرفس الذي لجأ إليه زكريا أزون ووجد من يشجعه وينفخ فيه، حتى خيلوا إليه (ويا للمصيبة!) أنه خبير في هذا الميدان، على الرغم من أن هذا الميدان هو مِن الميادين التي لا يصلح فيها الركل والرفس ولا يليق؛ لأننا لسنا في إسطبل للخيول أو حظيرة للحُمُرِ، بل في مجال بحث وعلم، إن أداة البحث والعلم هي العقل،