فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 43

(مسئولية القاضي)

من صالح بن أحمد الخريصي إلى من يراه من إخواننا القضاة، وفقني الله وإياهم لأسباب النجاة، وعصمني وإياهم من سلوك طرق الغي والضلالات، آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

تعلمون أيها الإخوان أنكم قد حملتم حملًا ثقيلًا، وطوقت برقابكم أمانة عظيمة، وأنكم موقوفون بين يدي الله سبحانه، ومسئولون عن أدائها، فأعدوا للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا، ومن أعظم ما يستعان به على أداء هذه الأمانة أسباب:

أولها: تقوى الله عز وجل، ومراقبته في السر والعلانية، فإن بتقوى الله يتبين وجه الصواب قال الله عز وجل: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [1] ، وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [2] ، وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [3] ، وقال تعالى: {اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به} [4] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولهذا لما قيل للإمام أحمد -رحمه الله- من نسأل بعدك؟ قال: سلوا عبد الوهاب الوراق فإنه رجل صالح مثله يوفق للصواب. واستدل الإمام أحمد -رحمه الله- بقول عمر - رضي الله عنه: اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك لقرب قلوبهم من الله، وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، وكان كشفه للحق أتم وأقوى، وكلما بعد عن الله كثرت عليه المعارضات، وضعف نور كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب يفرق به العبد بين الخطأ والصواب، ومن ذلك أن يتأدب بالآداب التي ذكرها العلماء -رحمهم الله- في هذا الباب.

ومنها: أن يكون قويًّا على حمل ما كلف به من غير عنف يمنع صاحب الحق من استيفاء حقه، ومن غير ضعف يجترئ به صاحب الباطل عليه وعلى خصمه، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لا يصلح القاضي إلا أن تكون فيه خصال أن يكون صليبًا نزهًا عفيفًا حليمًا عليمًا بما كان قبله من القضاء والسنن، ومن ذلك أن يكون ذا بصيرة وبصر بأهل زمانه لا سيما أهل هذه الأزمان، فإن أكثرهم أروغ من الثعالب، وليحذر حلاوة ألسن أكثرهم، فإن لهم في ذلك أهدافا وأغراضًا وحوائج يحومون حول تحصيلها بكل ممكن.

ومنها: أن يكون ذا أناة يتثبت وفطنة فيما يحكم به.

ومنها: أن لا يعجل في البت بالحكم حتى يتبين له وجه الصواب من غير تأخير يخل بالمقصود

(1) سورة الأنفال: آية 29.

(2) سورة الطلاق: آية 2.

(3) سورة الطلاق: آية 4.

(4) سورة الحديد: آية 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت