لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الأعراف: 157. فقد أعطاه الله حقّ التّحليل والتّحريم فإذا فرض النّبيّ شيئًا لم يرد في القرآن وجب إتباعه، وإن نهى عن شيء أو حرّمه ولم يرد في القرآن وجب إتبّاعه .. لماذا؟ لأنّ الله أمرنا بذلك وإلا فقد فرض النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر في رمضان ولم يأتِ أمرها في القرآن، وحرّم الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها ولم يأتِ التّحريم في القرآن. ثمّ حذر الله المُسلمين من مُخالفة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - والتي هي مُخالفة لله - وبالغ في التّحذير والوعيد فقال جل شأنه {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النّور: 63 وحسمًا لهذه المسألة حتّى لا يُجادل فيها أحد قرن محبّته بإتباع النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجعل اتّباعه علامة حبّ الله وسببًا لمغفرة الذنوب فقال {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} آل عمران:31. فتأمّلي هداكِ الله في الآية تجدي المحبّة تُساوي اتّباعًا بمعني محبّة الله تُساوي إتّباع النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فكلّ مُدّعٍ للمحبّة لا يتّبع النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فليس بمُحب وهذا ظاهرٌ وجليُّ.
قال الشّاعر
تعصي الإله وأنت تزعمُ حبّه ... هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبّك صادقًا لأطعته ... إنّ المُحبّ لمن يُحبّ مُطيع
فإذا كان الأصل الأوّل في رسالتنا أنّ الإسلام هو الاستسلام والانقياد فإنّ الأصل الثاني هو محبّة الله تُساوي إتّباع النّبيّ، والآن يُمكننا جمع هذين الأصلين معا ًبقولنا: إنّ الإسلام بمفهومه الشّامل هو الاستسلام لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في كلّ ما أمر به الله ورسوله، واجتناب كلّ ما نهي عنه الله ورسوله؛ لأنّ طاعة الرّسول طاعة لله، وطاعة الرّسول هي أمرٌ من الله سُبحانه وتعالى، ثمّ أقسم الله عزّ وجلّ في كتابه على أنّه لا يتمّ إيمان أحد حتّى يتحاكم إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما يحدث بينه وبين أخيه من خلاف أو شجار ليس هذا فحسب بل لا بدّ من قبول حُكم النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المسألة المُتنازع فيها مع أهم شرط وهو التّسليم بهذا الحُكم بقلبٍ راضٍ مسرورٍ بحُكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النّساء: 65 فتأمّلي الآية جيّدًا وانظري بما خُتِمَت { .. وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وهذا كان في حياة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمّا بعد وفاته يكون التّحاكم عند النّزاع إلى سُنّته - صلى الله عليه وسلم - فإذا قضى أمرًا وجب الامتثال لهذا الأمر ولا يكون في النّفس حزن أو ضجر أو ضيق من هذا الحُكم ثمّ يُسلّم القلب والجوارح تسليمًا وإلا ينتفي كمال الإيمان