فهرس الكتاب
إنّ المُتأمّل في حال المرأة يجد أنّها إذا جلست في بيتها هكذا دون عمل يشغلها فسيستولي عليها الشّيطان فتبدأ تبحث عن حظ نفسها وبالتّالي ستقع في المحظور ولا محالة، لذا ينبغي على المرأة العاقلة حتّى ولو بلغت القمة في حجابها وتستّرها وعفتها أن يكون شعارها دومًا: وما يُؤمّنني وإبليس حي؟ فلم يكن سلفنا الصّالح يخافون ويبكون ويتضرّعون نتيجة تقصيرهم أو نتيجة عصيانهم وكثرة ذنوبهم، كلا بل كانوا يخافون أن لا يتقبّل الله منهم ولهذا لمّا سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} المؤمنون: 60 أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصّدّيق ولكنّه الرّجل يصوم ويصلّي ويتصدّق ويخاف أن لا يُقبل منه» ، قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن تُردّ عليهم، إنّ المُؤمن جمع إحسانًا وخشية وإنّ المُنافق جمع إساءةً وأمنًا. وكان خوفهم أيضًا من أن يُسلَب أحدهم الإيمان عند قوّته يقول ابن المُبارك: إنّ البُصَراء لا يأمنون من أربع خصال: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الرّبّ فيه، وعُمْر قد بقي لا يدري ما فيه من الهلكات، وفضل قد أعطي لعلّه مكر واستدراج وضلالة قد زُيّنت له فيراها هُدى ومن زيغ القلب ساعة ساعة أسرع من طرفة عين قد يُسلَب دينه وهو لا يشعر. وهذا سُفيان الثوري رحمه الله كان يُكثر البكاء فقيل له: يا أبا عبد الله بُكاؤك هذا خوفًا من الذنوب، فأخذ سُفيان تبنًا وقال: والله للذنوب أهون على الله من هذا ولكن أخاف أن أسْلَب التّوحيد. وهذا أبو هريرة كان يقول في آخر حياته: (اللهم إنّي أعوذ بك أن أزني أو أعمل كبيرة في الإسلام) ، فقال له بعض أصحابه: يا أبا هريرة ومثلك يقول هذا أو يخافه وقد بلغت من السّنّ ما بلغت وانقطعت عنك الشّهوات، وقد شافهت النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبايعته وأخذت عنه، قال: (ويحك، وما يُؤمّنني وإبليس حي) [1] . وقد وروى غير واحد عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال: ما يُؤمّنني وإبليس حي، ومُصرّف القلوب يُصرّفها كيف يشاء؟ [2] .
قال سعيد بن المُسيّب: ما أيس الشّيطان من ابن آدم إلا أتاه من قِبَل النّساء وقد أتى عليَّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى وإنّ أخوف ما أخاف على نفسي فتنة النّساء [3] . لذا أراد الله أن يجعل للمرأة المُؤمنة في بيتها شُغلًا فلا تدع مجالًا للشّيطان ليُضيع إيمانها فكونها تحجّبت أو قرّت في بيتها فليس معنى هذا أنّ
(1) البداية والنّهاية لابن كثير: 8/ 119.
(5) تفسير روح البيان لإسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي: 2/ 192، دار إحياء التّراث العربيّ.