فهرس الكتاب
الدّراسة أو العمل، وأيضا حرّية التّأخّر والسّهر إلى ساعات مُتأخرة من الليل لم تعد شيئًا مُستنكرًا مُستهجنًا من الآباء والأمّهات معدومي الغَيْرة والدّين في الوقت الذي لا يُفارق الشّيطان وجنوده تلك الفتاة لحظة لا في ليل ولا قي نهار فهي في الليل إمّا أمام الشّات أو القنوات الإباحيّة أو قد رمت آذنيها في أحضان الأغاني الماجنة والألحان السّاقطة التي تتمنّى حينها صديقًا لها أو عشيقًا يُشاطرها تلك المشاعر والأحاسيس فتزني معه بقلبها وأحلامها بصرف النّظر عن الزّواج الذي يكبت حُرّيتها ويُقيّد مشاعرها على زوج واحد طيلة حياتها هكذا زعمت. فماذا تنتظر الفتاة بعد هذا الانسلاخ من الدّين وبعد هذا التّحلل من القيم والأخلاق .. لا تقوى .. لا صلاة .. لا حياء .. لا حجاب .. غناء .. أفلام .. سينما .. مسرح .. بنطلون تقابل به هادم الأحلام والعذريّة الطاهرة .. اختلاط مُستهتر تحت شعار الحرّية المزعومة .. زنا أو زواج عرفي وهو أيضا زنا. يا فتاة الإسلام ألهذا خلقكِ الله؟ ألهذا أرسل الرّسل؟ ألهذا أنزل القرآن؟ إذا كان التّعرّي وإبداء الزّينة والمفاتن في تصوّرك هي الفضيلة فما هي الرّذيلة إذن؟ وأنا أقول بملء الفم وبأعلى صوت: والله ما لهذا خُلِقْتِ .. والله ما لهذا خُلِقتِ .. والله ما لهذا خُلِقتِ. إن لم تتحمّلي أنتِ مسئوليّة الدّين ونشر الفضيلة فمن يتحمّلها إذن؟ اليهود أم النّصارى؟ إن لم ترتدي أنت الحجاب الشّرعيّ فمن يرتديه إذن؟ هل تنتظرين حتّى يهتدي اليهود والنّصارى فيلبسوا الحجاب ثمّ تقلّديهم في لبسهم إيّاه؟ بل أقول مُتعجّبًا: على من فرض الحجاب إذن إذا أنتِ لم تلبسيه وأختكِ لم تلبسه وأمكِ وجارتكِ وصُويحباتكِ وهذه وتلك فمن الذي خُوطب إذن بأيات الحجاب الخمْس في سُورتي النّور والأحزاب؟ هل تنتظرين أحد يلبسه عنكِ ويهديكِ ثوابه؟! لا أظنكِ بهذه السّذاجة والسّطحيّة. ولعلكِ تتساءلين الآن وما علاقة الحجاب والثياب بالأخلاق والفضائل .. ألا يمكن أن ألبس ما أشاء وأكون على أعلى درجة من الأخلاق والفضائل؟! وأنا سأجيبكِ ولكن من كلام الرّافعي رحمه الله وهو كلام يُكتب والله بماء الذهب. قال رحمه الله وهو يعيب على قاسم أمين فلسفته في نزع الحجاب ونشر حرّيّة المرأة: (ونسي قاسم - غفر الله له - أنّ للثياب أخلاقًا تتغيّر بتغيّرها، فالتي تُفرغ الثوب على أعضائها إفراغ الهندسة، وتُلبس وجهها ألوان التّصوير لا تفعل ذلك إلا وهي قد تغيّر فهمها للفضائل، فتغيّرت بذلك فضائلها، وتحوّلت من آيات دينيّة إلى آيات شعريّة .. وروح المسجد غير روح الحانة، وهذه غير روح المرقص، وهذه غير روح المخدع، ولكلّ حالة تلبس المرأة لبسًا فتُخفي منها وتُبدي. وتحريك البيئة لتتقلّب، هو بعينه تحريك النّفس لتغيّر صفاتها. وأين أخلاق الثياب العصريّة في امرأة اليوم، من تلك الأخلاق التي كانت لها من الحجاب؟ تبدّلت بمشاعر الطاعة، والصبر، والاستقرار، والعناية بالنّسل، والتّفرغ لإسعاد أهلها وذويها مشاعر أخرى، أوّلها كراهية الدّار والطاعة والنّسل، وحسبك من شرٍ هذا أوّله وأخفه!) [1] . ثمّ قال في موضع آخر وهو في معرض الحديث عن الفتاة
(1) وحي القلم للرّافعي: 1/ 152 مكتبة الإيمان، المنصورة ط 1419 هـ، 1999 م.