وأما ما ذكره منجانا من شبه حول صحيح البخاري، فإنني أقدم بين يدي ذلك بمقدمة فأقول:
لقد بذل أهل الحديث جهودًا عظيمة في حفظ النص النبوي، واشترطوا لقبول الحديث والحكم بصحته أن يكون راويه حافظًا له، حفظ صدر أو حفظ قمطر، وكان من عادة المحدثين أن يجمعوا بين الحفظين، فيكتبوا أحاديثهم ثم يحفظوها، فإذا أدوا الحديث لم يحدثوا إلاَّ بما يحفظون، ثم جاء علماء النقد فنقدوا هذه الأحاديث، وبينوا المحفوظ منها من الشاذ، فإنَّ الحافظ الضابط قد يهم أحيانًا، فبينوا أحاديثه التي وهم فيها، وكذلك الضعيف قد يضبط أحيانًا، فبينوا أحاديثه المحفوظة، وعامة ذلك مسطور في كتب الجرح والتعديل وكتب العلل، ومن هاهنا تعددت الألفاظ المصطلحية.
ثم إنهم صنفوا الحديث في الكتب، فكان المؤلف يحدث بالكتاب من أصله، ويرويه على الناس، ويقصده الناس لسماعه منه، وهذا ما حصل للبخاري فإنه ألف صحيحه في مدة طويلة، حتى التأم له على الصورة التي خرج بها للناس وحدثهم بها، وكان البخاري يحدث بكتابه أينما حل، وقد روينا في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/ 12) عن محمد بن يوسف الفربري أنه قال: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون الف رجل فما بقي أحد يرويه غيري أهـ.
وهذا وإن كان في إسناده نظر إلا أنه غير مستبعد، فقد بلغت شهرة البخاري وشهرة الفكرة التي جاء بها -وهي الاقتصار على الحديث الصحيح - الآفاق، حتى نفَسَه عليها بعض شيوخه، فضلًا عن أقرانه، فكان البخاري يحدث به في كل مكان، إلى قبيل وفاته بقليل، فمثلا: سمع الراوي محمد بن يوسف الفربري الصحيح من البخاري مرتين، مرة عام 248، في فربر موطن الفربري، وأخرى في بخارا سنة 252، أي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.
ليس هذا كل ما عند أهل فِرَبر من سماعات للبخاري، فقد روى صاحب تاريخ بخارا -وهو غنجار - عن الكشاني، عن الفربري قال: سمع الجامع من البخاري بفربر في ثلاث سنين، في سنة 253، وسنة 254، وسنة 255.
وهذا ذكره ابن نقطة في (التقييد ج 1/ص 132) بإسناد صحيح.