فهرس الكتاب
يلحقه تهمة الكذب وفسقه عن تأويل وتدين، فلا تبطل عدالته، فافترق سبب الحكم بالفِسْق، وكذا افترق الحُكْم على قَبُول الشَّهادة.
وقالوا: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعدوا معاوية على مُخالفة علي ط، ولو شهدوا بين يدي علي أكان يرد شهادتهم، ومخالفة علي بعد عثمان بدعة وهواء فكيف الخروج عليه بالسيف؟ ولكن لما كان عنده تأويل وتديُّن لم يمنع قبول شهادته.
الترجيح:
والذي أراه راجحًا في هذه المسألة - والله أعلم:
أنَّ الفاسق باعتقادِه إذا كان مُتحفظًا في دينه، فإن شهادته مقبولة، وإن حكمنا بفِسْقه فالله ـ لم يأمرْ برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جُملة، وإنما أمر بالتبيُّن، فإنْ قامتْ قرائن وأدِلة من الخارج تدلُّ على صدقه، عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر وكثير من الفاسقين يُصَدِّقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرَّى الصِّدْق غاية التحرِّي وفسقه من جهات أخرى، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردتْ شهادة مثل هذا وروايته لتعطلتْ أكثرُ الحقوق، وبطل كثيرٌ من الأخبار الصحيحة، ولا سيما من فِسْقِه من جهة الاعتقاد والرأي، وهو متحرٍّ للصِّدْق، فهذا لا يرد خبره ولا شهادته.
وأما مَنْ فسقُه من جهة الكذب، فإن كثر منه وتكرَّر بحيث يغلب كذبه على صدْقِه، فهذا لا يُقبل خبره ولا شهادته.
يقول العز بن عبد السلام:"لا تُرد شهادة أهْل الأهْواء؛ لأنَّ الثِّقة حاصلة بشهادتهم حصولها بشهادة أهل السنة، ومدار قبول الشهادة والرواية على الثِّقة بالصدق، وذلك متَحَقِّق في أهل الأهواء تحققه في أهل السنة، والأصحُّ أنهم لا يكفرون ببدعهم، وكذلك تقبل شهادة الحنفي إذا حددناه في شُرْب النبيذ؛ لأنَّ الثقة بقولهم لم تنخرم بشربه لاعتقاده إباحته، وإنما ردت شهادة الخطابيَّة؛ لأنَّهم يشهدون بناءً على إخبار بعضهم بعضًا، فلا تحصُل الثقة بشهادتهم؛ لاحتمال بنائها على ما ذَكَرْناه" [1] .
وقال ابن دقيق العيد:"هذا هو المذهب الحق؛ لأنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر عن صاحب الشرع، وإذا لم نكفره وانضم إليه التقوى المانعة من الإقدام على ما يعتقد تحريمه، فالموجب للقبول موجود وهو الإسلام، مع العدالة الموجبة لظن الصدق والمانع المتخيل لا"
(1) "قواعد الأحكام"؛ للعزِّ بن عبد السلام (2/ 31) .