من دون الله تعالى، وبذلك يقضي القرآن على اعتقادهم الباطل في أول كلمة يلفظها القرآن في هذه السورة، فكيف تعتمدون على النجم وهو مخلوق كسائر المخلوقات يعلو ويهوي، يلمع ويتلألأ ثم ينطفئ.
وهي ظاهرة كونية إليها أشار القرآن حال استراق الجني السمع فتأتي الشهب لتحرقه وتحول بينه وبين خبر السماء، قال تعالى (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) {الجن/8 - 9} ، وقد حصل ذلك ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فانقطع كل طريق لمعرفة الغيب عن طريق الشياطين والكهان، حيث كان العرافون والكهان والسحرة - قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم - يسخرون الجني لمعرفتها، بل كان الجن أنفسهم يحاولون معرفتها دون تسخير الإنس لهم، لكن محاولاتهم باءت بالفشل بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) {الحجر/16 - 18} ، فعن ابن عباس قال"كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوه فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما يصلي بين جبلين أراه قال بمكة فلقوه فأخبروه، فقال هذا الذي حدث في الأرض" [1] .
ولم تنته محاولات الجن عند ذلك، فعن عَائِشَةُ رضي الله عنها قالت سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ" [2] ، قال العثيمين رحمه الله: (اختلف العلماء: هل المسترقون انقطعوا عن الاستراق بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأبد أو انقطعوا في وقته فقط؟ والثاني هو الأقرب: أنهم انقطعوا في وقت البعثة فقط، حتى لا يلتبس كلام الكهان بالوحي، ثم بعد ذلك زال السبب الذي من أجله انقطعوا) [3] ، قال العلماء"الخبر قد يرسله إلى من تحته قبل وصول الشهاب له فيخبر به السحرة، وهذا ليس من علم الغيب لأن الملائكة علموا وتكلموا به فلم يصبح بذلك غيبًا" [4] ."
(1) رواه الترمذي ج 11 ص 147 رقم 3247 وصححه الألباني: صحيح الترمذي ج 3 ص 124 رقم 2647، ومثله عند البخاري ج 3 ص 231 رقم 731
(2) رواه البخاري ج 19 ص 209 رقم 5745
(3) [القول المفيد على كتاب التوحيد (1\ 315) دار ابن الجوزي
(4) الشيخ صالح الفوزان: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد