وفي قوله تعالى (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) تأكيد لنقاء المصدر - (الوحي) - بفرعيه (القرآن والسنة) من أي شائبة، وفيه كذلك إثبات مرتبة السنة النبوية المشرفة في التشريع الإسلامي، حيث أن ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التبليغ عن ربه منزه عن الضلال والغواية ولا اجتهاد فيه ولا زيغ، وبذلك حفظ الله تعالى المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، فلا يختلط بغيره لا من كلام السحرة والكهان ولا من غيرهم، قال العلماء (فأبطل الله أن يكون القرآن شيئا غير الوحي) [1] ، فلما نزلت أول أية من القرآن انقطعت أخبار الكهان والمنجمين، قال تعالى (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) {الشعراء/210 - 212} .
وفي قوله تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) نفي لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخيرا في تبديل آية مكان آية أو إبطال سنة دون وحي يوحى إليه بذلك، قال سبحانه (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) {يونس/15} ، قال ابن حزم"فلو أنه صلى الله عليه و سلم شرع شيئا لم يوح إليه به لكان مبدلا للدين من تلقاء نفسه وكل من أجاز هذا فقد كفر وخرج عن الإسلام وبالله تعالى نعوذ من الخذلان فإن احتج فيها معترض بقوله تعالى {إنآ أنزلنا إليك لكتاب بالحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما} فإن الذي أراه الله تعالى هو الذكر والوحي بنص الآية لأن أولها {إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين لناس بمآ أراك لله ولا تكن للخآئنين خصيما} وقال تعالى {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا} ثم توعده على ذلك فقال {إذا لأذقناك ضعف لحياة وضعف لممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} فبين تعالى أنه عليه السلام لو أوجب شيئا في الدين بغير وحي لكان مفتريا على ربه تعالى وقد عصمه الله عز و جل من ذلك وكفر من أجازه عليه فصح أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئا إلا بوحي فسقط الاجتهاد الذي يدعيه أهل الرأي أو القياس جملة" [2] .
وليس ذلك فحسب، بل إن كل ما لم ينطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بشرع، ذلك أن النبي جاء لينطق بما أوحي إليه، وليس له أن ينتقص منه شيئا أو أن يدخر علما، فعن عائشة قَالَتْ"مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَاللَّهُ يَقُولُ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [3] ، قال تعالى:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ .. الآية" {المائدة/3} ."
وفي قوله تعالى (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) دلالة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، فلا يعتريه خطأ أو سهو أو نسيان، ولا يداخله اجتهاد أو استنتاج أو تخمين أو كهانة، قال سبحانه (قل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ
(1) الرد على الزنادقة والجمهية ج 1 ص 26 للعلامة أحمد بن حنبل الشيباني - المطبعة السلفية - القاهرة، 1393
(2) الإحكام لابن حزم ج 5 ص 128
(3) رواه مسلم ج 1 ص 413 رقم 259