اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) {الأنعام/50} ، وعن عائشة قَالَتْ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَاللَّهُ يَقُولُ {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [1] ، ليكون كل ما ينطق به وحيا يوحى إليه من ربه، يلزم الأمة وتلتزم به باعتباره شرع منزل، يستوي في ذلك أن يكون قرآنا أو سنة قولية صادرة عنه، وفيه - كذلك - دلالة على القاعدة الأصلية بشأن حجية السنة القولية، وأنها وحي يوحى من الله تعالى، ومن ثم أضحى كل قول يقوله النبي صلى الله عليه وسلم تشريع لأمته، سواء أكان قرآنا لفظا ومعنى من الله أم غير قرآن لفظا منه صلى الله عليه وسلم ومعنى من الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لايوشك رجل شبعان على أريكته(السرير) يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) [2] ، وعليه تكون السنة المصدر الثاني للتشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم مباشرة، قال الشوكاني"قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام" [3] .
وهذه القاعدة تظل على عمومها دون اعتبار لحال الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحة أو السقم، الرضا أو الغضب، فكل ما ينطق به تشريع طالما أنه جاء في مقام التبليغ عن ربه، أو جاء في مقام التفصيل لما في الكتاب من أحكام أو أن يأتي بحكم شرعي في دين الله تعالى وإن لم يرد في كتاب الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ [4] .
واستثنى العلماء من هذه القاعدة أن يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم في مقام غير مقام التبليغ عن ربه، وإنما بمقتضى الخبرة الإنسانية أو العادات الجبلية [5] ، فعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ مَا لِنَخْلِكُمْ قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ [6] ، وفي رواية عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ مَا
(1) رواه مسلم ج 1 ص 413 رقم 259
(2) رواه أبو داود ج 2 ص 610 رقم 4604 وصححه الألباني
(3) السيوطي إرشاد الفحول ج 1 ص 96
(4) رواه أبو داود ج 10 ص 55 رقم 3161 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة ج 4 ص 45 رقم 1532
(5) الكتاني: الاجتهاد والمجتهدون بالأندلس والمغرب ج 1 ص 30
(6) رواه مسلم ج 12 ص 54 رقم 4358